العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥٧ - توسط مسلمة بين هشام و الكميت
أخريات الناس فبدأ بالسلام، ثم أما بعد، ثم الشعر؟قيل له: هذا الكميت ابن زيد.
فأعجب به لفصاحته و بلاغته. فسأله مسلمة عن خبره و ما كان فيه طول عيبته. فذكر له سخط أمير المؤمنين عليه؛ فضمن له مسلمة أمانه، و توجه به حتى أدخله على هشام، و هشام لا يعرفه. فقال الكميت: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته، الحمد للّه-قال هشام: نعم، الحمد للّه، يا هذا-قال الكميت: مبتدئ الحمد و مبتدعه، الذي خص بالحمد نفسه، و أمر به ملائكته، و جعله فاتحة كتابه، و منتهى شكره، و كلام أهل جنته؛ أحمده حمد من علم يقينا، و أبصر مستبينا؛ و أشهد له بما شهد به لنفسه قائما بالقسط، وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمدا عبده العربيّ، و رسوله الأميّ، أرسله و الناس في هبوات [١] حيرة، و مدلهمّات ظلمة، عند استمرار أبهة الضلال، فبلّغ عن اللّه ما أمر به، و نصح لامته، و جاهد في سبيله، و عبد ربّه حتى أتاه اليقين، صلى اللّه عليه و سلم.
«ثم إني يا أمير المؤمنين تهت في حيرة، و حرت في سكرة، ادلأمّ [٢] بي خطرها، و أهاب بي داعيها، و أجابني غاويها؛ فاقطوطيت [٣] إلى الضلالة، و تسكّعت في الظّلمة و الجهالة، حائرا عن الحق، قائلا بغير صدق. فهذا مقام العائذ، و منطق التائب، و مبصر الهدى بعد قول العمى، ثم يا أمير المؤمنين، كم من عاثر أقلتم عثرته، و مجترم عفوتم عن جرمه.
فقال له هشام و أيقن أنه الكميت: ويحك!من سنّ لك الغواية و أهاب بك في العماية؟ قال: «الذي أخرج أبي آدم من الجنة فنسي و لم يجد له عزما. و أمير المؤمنين كريح رحمة أثارت سحابا متفرّقا، فلفقت بعضه إلى بعض حتى التحم فاستحكم، و هدر
[١] الهبوات: الغبرات، و إذا سطعت في الجوّ و انتشرت عميت بها المسالك.
[٢] ادلأم: ادلهم.
[٣] اقطوى: قارب في مشيه مع سرعة.