العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٩٠ - بين المنصور و أعرابي
ابن عامر؛ قال: نعم. قال: فصفه لي. قال: نأتيه فنجده منبطحا، يعني نائما، فنجلس حتى يستيقظ، فيأذن فنساقطه الحديث، فإن حدّثناه أحسن الاستماع؛ و إن حدّثنا أحسن الحديث، ثم يدعو بمائدته، و قد تقدّم إلى جواريه و أمهات أولاده ألاّ تلفظ واحدة منهن إذا وضعت مائدة، ثم يقبل خبّازه فيمثل بين يديه قائما، فيقول له: ما عندك؟فيقول: عندي كذا و كذا. فيعدّد ما عنده. يريد بذلك أن يحسن كلّ رجل نفسه و شهوته على ما يريد من الطعام. و تقبل الألوان من هاهنا و من هاهنا فتوضع على المائدة، ثم يؤتى بثريدة شبهاء [١] من الفلفل رقطاء [٢] من الحمّص، ذات حفافين من العراق [٣] ، فيأكل معذرا، حتى إذا ظن أن القوم قد كادوا يمتلئون، جثا على ركبتيه؛ ثم استأنف الأكل معهم.
قال ابن أبي بردة: للّه درّ عبد الأعلى، ما أربط جأشه على وقع الأضراس.
و حضر أعرابي سفرة هشام بن عبد الملك؛ فبيناه يأكل معه إذ تعلقت شعرة في لقمة الأعرابي، فقال له هشام: عندك شعرة في لقمتك يا أعرابي. فقال: و إنك لتلاحظني ملاحظة من يرى الشعرة في لقمتي!و اللّه لا أكلت عندك أبدا، ثم خرج و هو يقول:
و للموت خير من زيارة باخل # يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
بين المنصور و أعرابي:
محمد بن زيد قال: أكل قائد لأبي جعفر المنصور معه يوما، و كان على المائدة محمد المهديّ و صالح ابناه، فبينا الرجل يأكل من ثريدة بين أيديهم، إذ سقط بعض الطعام من فيه في الغضّارة [٤] ، فكأن المهدي و أخاه عافا الأكل معه، فأخذ أبو جعفر الطعام
[١] الثريدة: طعام من خبز و مرق. و الشهباء.
[٢] الرقطاء: المرقّشة.
[٣] الخفافان: الجانبان، و العراق: العظم بلحمه.
[٤] الغضارة: الصحفة و الاناء.