العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥٥ - آداب اللّه لنبيّه صلى اللّه عليه و سلم
يرى الشّتم مدحا و الدناءة رفعة # و للسمع منه في العظات نفور
فرجّ الفتى ما دام حيّا فإنّه # إلى خير حالات المنيب يصير
باب جامع الآداب
آداب اللّه لنبيّه صلى اللّه عليه و سلم
لابن عبد ربه:
قال أبو عمر أحمد بن محمد: أوّل ما نبدأ به: أدب النبي صلّى اللّه عليه و سلم، ثم أدبه صلّى اللّه عليه و سلم لأمّته، ثم الحكماء و العلماء.
و قد أدّب اللّه نبيّه بأحسن الآداب كلها، فقال له: وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [١] فنهاه عن التقتير كما نهاه عن التبذير، و أمر بتوسّط الحالتين؛ كما قال عز و جل: وَ اَلَّذِينَ إِذََا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا وَ كََانَ بَيْنَ ذََلِكَ قَوََاماً [٢] .
و قد جمع اللّه تبارك و تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و سلم جوامع الكلم في كتابه المحكم، و نظم له مكارم الأخلاق كلها في ثلاث كلمات، فقال: خُذِ اَلْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْجََاهِلِينَ [٣] ففي أخذه العفو صلة من قطعه، و الصفح عمّن ظلمه؛ و في الأمر بالمعروف تقوى اللّه، و غضّ الطّرف عن المحارم، و صون اللسان عن الكذب، و في الإعراض عن الجاهلين تنزيه النفس عن مماراة السفيه و منازعة اللجوج.
ثم أمره تبارك و تعالى فيما أدبه، باللين في عريكته، و الرّفق بأمته، فقال:
وَ اِخْفِضْ جَنََاحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ [٤] و قال: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [٥] و قال تبارك و تعالى وَ لاََ تَسْتَوِي اَلْحَسَنَةُ وَ لاَ
[١] سورة الإسراء الآية ٢٩.
[٢] سورة الفرقان الآية ٦٧.
[٣] سورة الأعراف الآية ١٩٩.
[٤] سورة الشعراء الآية ٢١٥.
[٥] سورة آل عمران الآية ١٥٩.