العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٧٤ - إبليس و نوح
من عباده، أشعر قلبه الأسف على ما لم يقدر له، و أغاره [١] الكلف بما لم يكن ليناله.
أنشدني فتى بالرملة:
اصبر على حسد الحسود # فإنّ صبرك قاتله
كالنار تأكل بعضها # إن لم تجد ما تأكله
و قال عبد الملك بن مروان للحجاج: إنه ليس من أحد إلا و هو يعرف عيب نفسه، فصف لي عيوبك. قال: أعفني يا أمير المؤمنين. قال: لست أفعل. قال: أنا لحوح، لدود، حقود، حسود. قال: ما في إبليس شرّ من هذا.
و قال المنصور لسليمان بن معاوية المهلّبي: ما أسرع حسد الناس إلى قومك!فقال:
يا أمير المؤمنين:
إنّ العرانين تلقاها محسّدة # و لا ترى للئام الناس حسّادا [٢]
و أنشد أبو موسى لنصر بن سيار:
إنّي نشأت و حسّادي ذوو عدد # يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا [٣]
إن تحسدوني على حسن البلاء بهم # فمثل حسن بلائي جرّ لي حسدا
و قال آخر:
إن يحسدوني فإنّي غير لائمهم # قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
فدام لي و لهم ما بي و ما بهم # و مات أكثرنا غيظا بما يجد
و قال آخر:
إنّ الغراب و كان يمشي مشية # فيما مضى من سالف الأحوال
حسد القطاة فرام يمشي مشيها # فأصابه ضرب من العقّال
فأضلّ مشيته و أخطأ مشيها # فلذاك كنّوه أبا مرقال
[١] أغاره: من الغيرة.
[٢] العرانين: السادة الأشراف.
[٣] ذو المعارج: اللّه سبحانه و تعالى حيث تعرج إليه الملائكة.