العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٣ - للنبي صلى اللّه عليه و سلم
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم يقول: «كتاب اللّه فيه خبر ما قبلكم، و نبأ ما بعدكم، و حكم ما بينكم؛ هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي لا تزيغ به الأهواء [١] ، و لا يشبع منه العلماء، و لا يخلق [٢] على كثرة الرد، و لا تنقضي عجائبه؛ هو الذي من تركه من جبّار قصمه اللّه، و من ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللّه؛ هو حبل اللّه المتين، و الذّكر العظيم، و الصراط المستقيم» . خذها إليك يا أعور.
و قيل للنبي صلّى اللّه عليه و سلم: عجّل عليك الشيب يا رسول اللّه. قال: شيبتني هود و أخواتها.
و قال عبد اللّه بن مسعود: الحواميم [٣] ديباج القرآن.
و قال: إذا رتعت رتعت في رياض دمثات [٤] أتأنق فيهن.
و قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها: كانت تنزل علينا الآية في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، فنحفظ حلالها و حرامها و أمرها و زجرها، قبل أن نحفظها.
و قال صلّى اللّه عليه و سلم: سيكون في أمتي قوم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم [٥] ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرّميّة، هم شرّ الخلق و الخليقة.
و قال: إن الزبانية لأسرع إلى فسّاق حملة القرآن منهم إلى عبدة الأوثان، فيشكون إلى ربهم فيقول: ليس من علم كمن لا يعلم.
و قال الحسن: حملة القرآن ثلاثة نفر: رجل اتخذه بضاعة ينقله من مصر إلى مصر يطلب به ما عند الناس، و رجل حفظ حروفه و ضيّع حدوده، و استدرّ به الولاة، و استطال به على أهل بلده. و قد كثر هذا الضرب في حملة القرآن لا كثّرهم اللّه عز و جل. و رجل قرأ القرآن فوضع دواءه على داء قلبه، فسهر ليلته، و هملت عيناه؛
[١] تزيغ به الأهواء: تميل و تحيد عن الصواب.
[٢] يخلق: يبلى.
[٣] الحواميم: مفاتيح السور القرآنية.
[٤] الدمث: اللين السهل.
[٥] التراقي: جمع ترقوة، و هي العظمة التي بين ثغرة النحر و العاتق في أعلى الصدر.