العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣٦ - من حلم الأحنف
صفة الحلم و ما يصلح له
من حلم الأحنف:
قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟قال: من قيس بن عاصم المنقري؛ رأيته قاعدا بفناء داره، محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أتي برجل مكتوف و رجل مقتول؛ فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك. فو اللّه ما حلّ حبوته [١] و لا قطع كلامه. ثم التفت إلى ابن أخيه و قال له: يا بن أخي، أثمت بربّك، و رميت نفسك بسهمك، و قتلت ابن عمّك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بنيّ فوار أخاك، و حلّ كتاف ابن عمك، و سق إلى أمّه مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة. ثم أنشأ يقول:
إني امرؤ لا يطّبي حسبي [٢] # دنس يهجّنه و لا أفن [٣]
من منقر في بيت مكرمة # و الغصن ينبت حوله الغصن
خطباء حين يقول قائلهم # بيض الوجوه أعفّة لسن
لا يفطنون لعيب جارهم # و هم لحفظ جواره فطن
و قال رجل للأحنف بن قيس: علّمني الحلم يا أبا بحر. قال: هو الذّل يا بن أخي، أ فتصبر عليه؟ و قال الأحنف: لست حليما و لكنّي أتحالم.
و قيل له: من أحلم: أنت أم معاوية؟قال: تاللّه ما رأيت أجهل منكم؛ إنّ معاوية يقدر فيحلم، و أنا أحلم و لا أقدر؛ فكيف أقاس عليه أو أدانيه؟ و قال هشام بن عبد الملك لخالد بن صفوان: بم بلغ فيكم الأحنف ما بلغ؟قال:
إن شئت أخبرتك بخلّة [٤] ، و إن شئت بخلّتين، و إن شئت بثلاث. قال: فما الخلّة؟
[١] الحبوة: ما يشتمل من ثبوب أو نحوه.
[٢] في عيون الأخبار «إنّي امرؤ لا شائن حسبي» و يطبي: يخالط.
[٣] الأفن: النقص و الحمق.
[٤] الخلّة: الصفة و المزيّة.