العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٩ - للجاحظ في ذم الزمان
يا طالب الأشعار و النحو # هذا زمان فاسد الحشو
نهاره أوحش من ليله # و نشوه من أخبث النشو
فدع طلاب النحو لا تبغه # و لا تقل شعرا و لا ترو
فما يجوز اليوم إلاّ امرؤ # مستحكم العزف أو الشّدو
أو طرمذان قوله كاذب # لا يفعل الخير و لا ينوي [١]
و من قولنا في هذا المعنى:
رجاء دون أقربه السّحاب # و وعد مثل ما لمع السّراب
و دهر سادت العبدان فيه # و عاثت في جوانبه الذّئاب
و أيام خلت من كلّ خير # و دنيا قد توزّعها الكلاب
كلاب لو سألتهم ترابا # لقالوا: عندنا انقطع التّراب
تعاقب من أساء القول فيهم # و إن يحسن فليس له ثواب
للجاحظ في ذم الزمان:
كتب عمرو بن بحر الجاحظ إلى بعض إخوانه في ذم الزمان:
بسم اللّه الرحمن الرحيم. حفظك اللّه حفظ من وفّقه للقناعة، و استعمله بالطاعة كتبت إليك و حالي حال من كثفت غمومه، و أشكلت عليه أموره، و اشتبه عليه حال دهره، و مخرج أمره، و قلّ عنده من يثق بوفائه، أو يحمد مغبّة إخائه، لاستحالة زماننا، و فساد أيامنا، و دولة أنذالنا، و قدما كان من قدّم الحياء على نفسه، و حكّم الصدق في قوله، و آثر الحقّ في أموره، و نبذ المشتبهات عليه من شئونه. تمت له السلامة، و فاز بوفور حظّ العافية، و حمد مغبّة مكروه العاقبة، فنظرنا إذ حال عندنا حكمه، و تحولت دولته. فوجدنا الحياء متصلا بالحرمان، و الصدق آفة على المال، و القصد في الطلب بترك استعمال القحة [٢] و إخلاق العرض من طريق التوكل دليلا
[١] الطّرمذان: المدّعي و المتمدّح بما ليس عنده، و الصلف المفاخر النّفاخ.
[٢] القحة: الوقاحة.