العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٥٩ - الشيب
عيّرتني بشيب رأسي نوار # يا ابنة العمّ ليس في الشيب عار
إنما العار في الفرار من الزّحـ # ف إذا قيل أين أين الفرار
و من قولنا في الشيب:
بدا وضح الشيب على عذاري # و هل ليل يكون بلا نهار
شريت سواد ذا ببياض هذا # فبدّلت العمامة بالخمار
و ألبسني النّهى ثوبا جديدا # و جرّدني من الثّوب المعار
و ما بعت الهوى بيعا بشرط # و لا استثنيت فيه بالخيار
و من قولنا فيه:
قالوا شبابك قد ولّى فقلت لهم # هل من جديد على كرّ الجديدين
صل من هويت و إن أبدى معاتبة # فأطيب العيش وصل بين إلفين
و اقطع حبائل خدن لا تلائمه # فربما ضاقت الدّنيا على اثنين
و من قولنا فيه:
جار المشيب على رأسي فغيّره # لما رأى عندنا الحكام قد جاروا
كأنّما جنّ ليل في مفارقه # فاعتاقه من بياض الصّبح إسفار [١]
و من قولنا فيه:
سواد المرء تنفده الليالي # و إن كانت تصير إلى نفاد
فأسوده يعود إلى بياض # و أبيضه يعود إلى سواد
و من قولنا أيضا:
أطلال لهوك قد أقوت مغانيها # لم يبق من عهدها إلا أثافيها [٢]
هذي المفارق قد قامت شواهدها # على فنائك و الدّنيا تزكّيها
الشّيب سفتجة فيها معنونة # لم يبق للموت إلاّ أن يسجّيها [٣]
[١] اعتاقه: عاقه.
[٢] أقوت: خلت و أقفرت. و الأثافي: المواقد للقدور.
[٣] السفتجة: إعطاء المال لقاء وثيقة تستردّ بها المال من عميل في بلد آخر. و يسجّيها يغطّيها.