العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢ - المأمون و مادح له عند دخوله بغداد
و وصل إلينا من عظيم رأفتك ما اتصل بأنفسنا اتصال النسيم: فأصبحت قد جمع اللّه بك الأيادي بعد افتراقها، و ألف بين القلوب بعد تباغضها، و أذهب عنا الإحن و الحسائك [١] بعد توقّد نيرانها، بفضلك الذي لا يدرك بوصف، و لا يحدّ بنعت.
فقال أردشير: طوبى للممدوح إذا كان للمدح مستحقّا، و للداعي إذا كان للإجابة أهلا.
دخل حسّان بن ثابت على الحارث الجفنيّ فقال: أنعم صباحا أيها الملك، السماء غطاؤك، و الأرض وطاؤك و والدي و والدتي فداؤك. أنّى يناوئك المنذر [٢] ؟فو اللّه لقذالك أحسن من وجهه، و لأمّك أحسن من أبيه، و لظلّك خير من شخصه، و لصمتك أبلغ من كلامه، و لشمالك خير من يمينه. ثم أنشأ يقول:
و نبّئت أنّ أبا منذر # يساميك للحدث الأكبر
قذالك أحسن من وجهه # و أمّك خير من المنذر
و يسرى يديك إذا أعسرت كيمنى يديه فلا تمتر [٣]
و دخل خالد بن عبد اللّه القسريّ على عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، فقال:
يا أمير المؤمنين، من تكون الخلافة قد زانته فأنت قد زنتها، و من تكون شرّفته فأنت قد شرفتها، و أنت كما قال الشاعر:
و إذا الدّرّ زان حسن وجوه # كان للدّرّ حسن وجهك زينا
فقال عمر بن عبد العزيز رحمه اللّه: أعطي صاحبكم مقولا و لم يعط معقولا.
المأمون و مادح له عند دخوله بغداد:
ذكر ابن أبي طاهر قال: دخل المأمون بغداد، فتلقاه وجوه أهلها، فقال له رجل
[١] في بعض الأصول: «الحسائف» و في بعضها الحسائد. و الإحن و الحسائك: هي الحزازات و العداوات.
[٢] هو المنذر بن المنذر بن ماء السماء اللخمي.
[٣] تمتري: تشك.