العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤٢ - من حلم الأحنف
إذا كان دوني من بليت بجهله # أبيت لنفسي أن تقارع بالجهل
و إن كان مثلي ثم جاء بزلّة # هويت لصفحي أن يضاف إلى العدل
و إن كنت أدنى منه قدرا و منصبا # عرفت له حقّ التقدّم و الفضل
و في مثله قال بعض الشعراء:
سألزم نفسي الصفح عن كلّ مذنب # و إن كثرت منه إليّ الجرائم
و ما الناس إلاّ واحد من ثلاثة # شريف و مشروف و مثل مقاوم
فأما الذي فوقي فأعرف فضله # و أتبع فيه الحقّ و الحقّ قائم
و أما الذي دوني فإن قال صنت عن # إجابته نفسي و إن لام لائم
و أما الذي مثلي فإن زلّ أو هفا # تفضّلت إن الفضل للحرّ لازم
و لأصرم بن قيس، و يقال إنها لعلي عليه السلام:
أصمّ عن الكلم المحفظات # و أحلم و الحلم بي أشبه [١]
و إنّي لأترك جلّ الكلام # لئلا أجاب بما أكره
إذا ما اجتررت سفاه السفيه # عليّ فإنّي أنا الأسفه
فلا تغترر برواء الرجال # و ما زحزحوا لك أو موّهوا [٢]
فكم من فتى يعجب الناظرين # له ألسن و له أوجه
ينام إذا حضر المكرمات # و عند الدناءة يستنبه
و للحسن بن رجاء:
أحبّ مكارم الأخلاق جهدي # و أكره أن أجيب و أن أجابا
و أصفح عن سباب الناس حلما # و شرّ الناس من يهوى السّبابا
و من هاب الرجال تهيّبوه # و من حقر الرجال فلن يهابا
و من قضت الرجال له حقوقا # و لم يقض الحقوق فما أصابا
[١] المحفظات: المثيرة للأحقاد.
[٢] الرواء: المظهر، و زخرفوا: زينوا و موّهوا: أخفوا و لبّسوا.