العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٤٩ - سودد الرجل بنفسه
و قال قس بن ساعدة: لأقضين بين العرب بقضية لم يقض بها أحد قبلي و لا يردّها أحد بعدي: أيّما رجل رمى رجلا بملامة دونها كرم فلا لوم عليه، و أيما رجل ادّعى كرما دونه لؤم فلا كرم له.
و قالت عائشة رضي اللّه عنها: كل كرم دونه لؤم فاللؤم أولى به، و كل لؤم دونه كرم فالكرم أولى به، تريد أن أولى الأمور بالإنسان خصال نفسه، و إن كان كريما و آباؤه لئام لم يضره ذلك، و إن كان لئيما و آباؤه كرام لم ينفعه ذلك.
و قال عامر بن الطفيل العامريّ:
و إنّي و إن كنت ابن سيّد عامر # و فارسها المشهور في كلّ موكب
فما سوّدتني عامر عن وراثة # أبى اللّه أن أسمو بجدّ و لا أب
و لكنّني أحمي حماها و أتّقي # أذاها و أرمي من رماها بمنكبي [١]
و تكلم رجل عند عبد الملك بن مروان بكلام ذهب فيه كلّ مذهب. فأعجب عبد الملك ما سمع من كلامه، فقال له: ابن من أنت؟قال: أنا ابن نفسي يا أمير المؤمنين، التي بها توصلت إليك. قال: صدقت.
فأخذ الشاعر هذا المعنى، فقال:
ما لي عقلي و همّتي حسبي # ما أنا مولى و لا أنا عربي
إذا انتمى منتم إلى أحد # فإنّني منتم إلى أدبي
و قال بعض المحدّثين:
رأيت رجال بني دالق # ملوكا بفضل تجاراتهم
و بربرنا عند حيطانهم # يخوضون في ذكر أمواتهم
و ما الناس إلا بأبدانهم # و أحسابهم في حرّ أماتهم [٢]
[١] المنكب: مجتمع رأس الكتف و العضد.
[٢] أحسابهم: أنسابهم، أي أنّ الأمّهات أعرف بأنساب أولادهن.