العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٣٩ - باب الحركة و السكون
مع أن المقام بالمقام الواحد يورث الملالة.
و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم «زر غبّا» تزدد حبّا [١] .
و قالت الحكماء: لا تنال الراحة إلا بالتّعب، و لا تدرك الدّعة إلا بالنّصب.
و قال حبيب:
بصرت بالرّاحة العظمى فلم ترها # تنال إلاّ على جسر من التّعب
و قال أيضا:
على أنّني لم أحو وفرا مجمّعا # ففزت به إلا بشمل مبدّد
و لم تعطني الأيام نوما مسكّنا # ألذّ به إلا بنوم مشرّد
و قال أيضا:
و ركب كأطراف الأسنّة عرّسوا # على مثلها و الليل تسطو غياهبه [٢]
لأمر عليهم أن تتمّ صدوره # و ليس عليهم أن تتمّ عواقبه
و بعد فهل يجوز في وهم أو يتمثل في عقل أو يصحّ في قياس، أن يحصد زرع بغير بذر، أو تجنى ثمرة بغير غرس، أو يوري زند بغير قدح، أو يثمر مال بغير طلب؟.
و لهذا قال الخليل بن أحمد: لا تصل إلى ما تحتاج إليه إلا بالوقوف على ما لا تحتاج إليه، فقال له أبو شمر المتكلّم: فقد احتجت إذا إلى ما لا تحتاج إليه، إذ كنت لا تصل إلى ما تحتاج إليه إلا به. قال الخليل: ويحك!و هل يقطع السيف الحسام إلا بالضرب، أو يجري الجواد إلا بالرّكض، أو هل تنال نهاية إلا بالسعي إليها و الإيضاع نحوها. و قد يكون الإكداء [٣] مع الكد، و الخيبة مع الهيبة.
[١] الغبّ: الزيارة حينا بعد حين.
[٢] التعريس: النزول ليلا. الغياهب: الظلمات.
[٣] الإكداء: الفقر.