العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٣ - البلاغة و صفتها
و قولهم: قرطس [١] فلان فأصاب الثغرة، و أصاب عين القرطاس. كل هذا مثل للمصيب في كلامه الموجز في لفظه.
قيل للعتابي: ما البلاغة؟قال: إظهار ما غمض من الحق، و تصوير الباطل في صورة الحق.
و قيل لأعرابيّ: من أبلغ الناس؟قال: أسهلهم لفظا و أحسنهم بديهة.
و قيل لآخر: ما البلاغة؟قال: نشر الكلام بمعانيه إذا قصر، و حسن التأليف له إذا طال.
و قيل لآخر ما البلاغة؟فقال: قرع الحجة و دنوّ الحاجة.
و قيل لآخر ما البلاغة؟قال: الإيجاز في غير عجز، و الإطناب في غير خطل [٢] .
قيل لغيره: ما البلاغة؟قال: إقلال في إيجاز، و صواب مع سرعة جواب.
قيل لليوناني: ما البلاغة؟قال: تصحيح الأقسام و اختيار الكلام.
و قيل لبعضهم: من أبلغ الناس؟قال: من ترك الفضول و اقتصر على الإيجاز.
و كان يقال: رسول الرجل مكان رأيه، و كتابه مكان عقله.
و قال جعفر بن محمد عليه السلام: سمّي البليغ بليغا لأنه يبلغ حاجته بأهون سعيه.
و سئل بعض الحكماء عن البلاغة فقال: من أخذ معاني كثيرة فأدّاها بألفاظ قليلة، و أخذ معاني قليلة فولّد منها لفظا كثيرا، فهو بليغ.
و قالوا: البلاغة ما حسن من الشعر المنظوم نثره، و من الكلام المنثور نظمه.
و قالوا: البلاغة ما كان من الكلام حسنا عند استماعه، موجزا عند بديهته.
و قيل: البلاغة لمحة دالّة على ما في الضمير.
و قال بعضهم: إذا كفاك الايجاز فالإكثار عيّ، و إنما يحسن الإيجاز إذا كان هو البيان.
و لبعضهم:
[١] قرطس: أي رمى فأصاب القرطاس و القرطاس: كل أديم ينصب للنضال.
[٢] الخطل: الفساد في الرأي و العقل.