العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٠ - باب في الغلوّ في الدين
يا أكثر وعدا حشوه خلف # و أكثر الناس قولا حشوه كذب
و من قولنا في هذا المعنى:
صحيفة أفنيت ليت بها و عسى # عنوانها راحة الرّاجي إذا يئسا
وعد له هاجس في القلب قد برمت # أحشاء صدري به من طول ما انجسا
مواعد غرّني منها وميض سنا # حتى مددت إليها الكفّ مقتبسا [١]
فصادمت حجرا لو كنت تضربه # من لؤمه بعصا موسى لما انبجسا
كأنّما صيغ من بخل و من كذب # فكان ذاك له روحا و ذا نفسا
التنزه عن استماع الخنا و القول به
اعلم أنّ السامع شريك القائل في الشر؛ قال اللّه: سَمََّاعُونَ لِلْكَذِبِ [٢] .
و قال العتبي: حدّثني أبي عن سعد القصير قال: نظر إليّ عمرو بن عتبة و رجل يشتم رجلا بين يدي؛ فقال لي: ويلك!-و ما قال لي «ويلك» قبلها-نزّه سمعك عن استماع الخنا كما تنزّه لسانك عن الكلام به؛ فإن السامع شريك القائل، و إنه عمد إلى شرّ ما في وعائه فأفرغه في وعائك؛ و لو ردّت كلمة جاهل في فيه لسعد رادّها كما شقي قائلها.
باب في الغلوّ في الدين
توفّي رجل في عهد عمر بن ذرّ ممن أسرف على نفسه في الذنوب، و جاوز في الطّغيان، فتجافى الناس عن جنازته، فحضرها عمر بن ذرّ و صلّى عليه، فلما أدلي في قبره قال: يرحمك اللّه أبا فلان، صحبت عمرك بالتوحيد، و عفرت [٣] وجهك للّه بالسجود، فإن قالوا مذنب و ذو خطايا، فمن منا غير مذنب و ذي خطايا.
[١] السنا: الضوء، و الوميض: اللمعان و مقتبسا: طالبا ضوءها.
[٢] سورة المائدة الآية ٤٢.
[٣] عفرت: مرّغت و أكثرت السجود.