العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١١ - باب في الغلوّ في الدين
و من حديث أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم قال: «إنّ اللّه أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يََا أَيُّهَا اَلرُّسُلُ كُلُوا مِنَ اَلطَّيِّبََاتِ وَ اِعْمَلُوا صََالِحاً [١] و قال: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ [٢] ثم ذكر الرجل يرى أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا ربّ يا ربّ، و مطعمه حرام و مشربه حرام و ملبسه حرام؛ فأنّي يستجاب له؟» .
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: «إنّ اللّه بعثني بالحنيفية السمحة و لم يبعثني بالرّهبانية المبتدعة، سنّتي الصلاة و النوم، و الإفطار و الصوم؛ فمن رغب عن سنّتي فليس مني» .
و قال صلّى اللّه عليه و سلم: «إنّ هذا الدين متين فأوغل [٣] فيه برفق؛ فإنّ المنبتّ [٤] لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى» .
و قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه: خير هذه الأمة هنا النّمط الأوسط، يرجع إليهم الغالي و يلحق بهم التالي.
و قال مطرّف بن عبد اللّه بن الشّخّير لابنه، و كان قد تعبّد: يا بنيّ، إنّ الحسنة بين السيئتين-يعني الدين: بين الإفراط و التقصير-و خير الأمور أوسطها، و شر السّير الحقحقة [٥] .
و قال سلمان الفارسي: القصد و الدّوام، و أنت الجواد السابق.
و قالوا: عامل البرّ كآكل الطعام: إن أكل منه قوتا عصمه، و إن أسرف منه أبشمه [٦] .
و في بعض الحديث: أنّ عيسى بن مريم عليه السلام لقي رجلا، فقال له: ما
[١] سورة المؤمنون الآية ٥١.
[٢] سورة البقرة الآية ١٧٢.
[٣] أوغل: تعمّق الدخول فيه.
[٤] المنبتّ، المنقطع.
[٥] الحقحقة: أرفع السير و أتعبه للظهر.
[٦] أبشمة: أتخمه و كظّه.