العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣٩ - من حلم الأحنف
يدافعون دونه بالرّاح # و من سفيه دائم النّباح
و قال النابغة الجعديّ:
و لا خير في حلم إذا لم تكن له # بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
و لا خير في جهل إذا لم يكن له # حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا [١]
و لما أنشد هذين البيتين للنبي صلّى اللّه عليه و سلم، قال: لا يفضض اللّه فاك. فعاش مائة و سبعين سنة لم تنقض له ثنيّة.
و قالوا: لا يظهر الحلم إلا مع الانتصار، كما لا يظهر العفو إلا مع الاقتدار.
و قال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: كان سنان بن أبي حارثة أحلم من فرخ الطائر. قلت: و ما حلم فرخ الطائر؟قال: إنه يخرج من بيضة في رأس نيق [٢] ، و لا يتحوّل حتى يتوفر ريشه و يقوى على الطيران.
و للأشنندانيّ:
و في اللين ضعف و الشراسة هيبة # و من لا يهب يحمل على مركب وعر
و للفقر خير من غنى في دناءة # و للموت خير من حياة على صغر [٣]
و ما كلّ حين ينفع الحلم أهله # و لا كلّ حال يقبح الجهل بالصبر
و ما بي على من لان لي من فظاظة # و لكنني فظّ أبيّ على القسر [٤]
و قال آخر في مدح الحلم:
إني أرى الحلم محمودا عواقبه # و الجهل أفنى من الأقوام أقواما
و لسابق:
أ لم تر أن الحلم زين مسوّد # لصاحبه و الجهل للمرء شائن
[١] أورد الأمر أصدرا: قرّر و نفذ.
[٢] النيق: أرفع موضع في الجبل.
[٣] الصغر: الذلّ.
[٤] الفظاظة: الغلظة و القسر: الإرغام و الإجبار.