العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣٥ - باب الحلم و دفع السيئة بالحسنة
و شتم رجل الشّعبي، فقال له: إن كنت صادقا فغفر اللّه لي، و إن كنت كاذبا فغفر اللّه لك.
و شتم رجل أبا ذرّ، فقال: يا هذا، لا تغرق في شتمنا و دع للصّلح موضعا، فإنا لا نكافيء من عصى اللّه فينا بأكثر من أن نطيع اللّه فيه.
و مرّ المسيح بن مريم عليه الصلاة و السلام بقوم من اليهود فقالوا له شرّا، فقال خيرا. فقيل له: إنهم يقولون شرّا و تقول لهم خيرا. فقال: كلّ واحد ينفق مما عنده.
و قال الشاعر:
ثالبني عمرو و ثالبته # فأثّم المثلوب و الثّالب [١]
قلت له خيرا و قال الخنى # كلّ على صاحبه كاذب [٢]
و قال آخر:
و ذي رحم قلّمت أظفار ضغنه # بحلمي عنه حين ليس له حلم
إذا سمته وصل القرابة سامني # قطيعتها تلك السّفاهة و الإثم [٣]
فداريته بالحلم و المرء قادر # على سهمه ما كان في كفّه السهم
عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم: ما تجرّع عبد في الدنيا جرعة أحبّ إلى اللّه من جرعة غيظ ردّها بحلم، أو جرعة مصيبة ردّها بصبر.
و كتب رجل إلى صديق له و بلغه أنه وقع فيه:
لئن ساءني أن نلتني بمساءة # لقد سرّني أنّي خطرت ببالكا
و أنشد طاهر بن عبد العزيز:
إذا ما خليلي أسا مرّة # و قد كان من قبل ذا مجملا [٤]
تحمّلت ما كان من ذنبه # فلم يفسد الآخر الأوّلا
[١] المثالبة: الذمّ و النقيصة.
[٢] الخنى: الفحش.
[٣] سمته: طلبت منه.
[٤] أسا: أي أساء، و مجمل: صاحب معروف.