مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٧ - ٦ سورة الأنعام
٦/ ١٦٥ وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥) في هذه الآية التي هي آخر الآيات من سورة الأنعام إشارة إلى أهمية مقام الإنسان ومكانته في عالم الوجود لتكميل الأبحاث الماضية في مجال تقوية دعائم التوحيد، ومكافحة الشرك. لهذا قال تعالى في مطلع كلامه: «هُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلئِفَ الْأَرْضِ».
إنّ الإنسان الذي هو خليفة اللَّه في أرضه، والذي سُخّرت له كل منابع هذا العالم وصدر الأمر بحكومته على جميع الموجودات من جانب اللَّه تعالى، لا يجوز أن يسمح لنفسه بالسقوط إلى درجة السجود للجمادات.
ثم أشار سبحانه إلى اختلاف المواهب والاستعدادات في المواهب البدنية والروحية لدى البشر، والهدف من هذا الاختلاف والتفاوت، فيقول: «وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا ءَاتَاكُمْ» من المواهب المتنوعة والمتفاوتة ويختبركم بها.
ثم تشير في خاتمة الآية الحاضرة إلى حرية الإنسان في اختيار طريق السعادة وطريق الشقاء نتيجة هذه الاختبارات والإبتلاءات، إذ يقول: «إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ». فإنّ ربك سريع العقاب مع الذين يفشلون في هذا الاختبار، وغفور رحيم للذين ينجحون فيه ويسعون لإصلاح أخطائهم.
بحثان
١- التفاوت بين أفراد البشر ومبدأ العدالة: لا شك أنّ بين أفراد البشر طائفة من الاختلافات والفوارق المصطنعة، التي هي نتيجة المظالم التي يمارسها بعض أفراد البشر ضد الآخرين، فهناك مثلًا جماعة يمتلكون ثروات هائلة، وجماعات اخرى تعاني من الفقر المدقع.
جماعة يعانون من المرض والعلة بسبب سوء التغذية وندرة الوسائل الصحية، في حين يحظى أفراد معدودون بقدر كبير من السلامة والعافية، بسبب توفّر جميع الإمكانيات.
إنّ مثل هذه الفوارق والاختلافات: الثروة والفقر، والعلم والجهل، والسلامة والمرض، هي في الأغلب وليدة الاستعمار والاستثمار، وهي مظاهر مختلفة للعبودية والمظالم الظاهرة والخفية.