مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٣ - ١٣ سورة الرعد
فيقول أوّلًا: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ». فكما لا يستوي الأعمى والبصير لا يستوي المؤمن والكافر، ولا يصحّ قياس الأصنام على الخالق جلّ وعلا.
ويقول ثانياً: «أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ». كيف يمكن أن نجعل الأصنام التي هي الظلمات المحضة إلى جنب اللَّه الذي هو النور المطلق؟
ثم يُدلِل على بطلان عقيدة المشركين عن طريق آخر فيقول: «أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ». والحال ليس كذلك، فإنّ المشركين أنفسهم لا يعتقدون بها، فهم يعلمون أنّ اللَّه خالق كل شيء، وعالم الوجود مرتبط به، ولذلك تقول الآية: «قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلّ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ».
يستفاد من الآية أعلاه أنّ الخلقة أمر مستمر ودائمي، وإنّه تعالى يفيض بالوجود عليهم بإستمرار وكل شيء يأخذ وجوده من ذاته المقدسة، وعلى هذا فنظام الخلقة وتدبير العالم كلها بيد اللَّه.
١٣/ ١٧ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَ الْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ أَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) وصف دقيق لمنظر الحق والباطل: يستند القرآن الكريم- الذي يعتبر كتاب هداية وتربية- في طريقته إلى الوقائع العينية لتقريب المفاهيم الصعبة إلى أذهان الناس من خلال ضرب الأمثال الحسية الرائعة من حياة الناس، وهنا- أيضاً- لأجل أن يُجسّم حقائق الآيات السابقة التي كانت تدور حول التوحيد والشرك، الإيمان والكفر، الحق والباطل، يضرب مثلًا واضحاً جدّاً لذلك ..
يقول أوّلًا: «أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً». الماء عماد الحياة وأصل النمو والحركة، «فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدْرِهَا» تتقارب السواقي الصغيرة فيما بينها، وتتكوّن الأنهار وتتّصل مع بعضها البعض، فتسيل المياه من سفوح الجبال العظيمة والوديان وتجرف كل ما يقف أمامها، وفي هذه الأثناء يظهر الزّبد وهو ما يرى على وجه الماء كرغوة الصابون من بين أمواج الماء حيث يقول القرآن الكريم: «فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا».
وليس ظهور الزبد منحصراً بهطول الأمطار، بل «وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ ابْتِغَاءَ