مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٢ - ١٢ سورة يوسف
العشق الملتهب: لم يأسر جمال يوسف الملكوتي عزيز مصر فحسب، بل أسر قلب امرأة العزيز كذلك وأصبح متيّماً بجماله. وامتدّت مخالب العشق إلى أعماق قلبها، وبمرور الزمن كان هذا العشق يتجذّر يوماً بعد يوم ويزداد إشتعالًا ... لكنّ يوسف هذا الشاب الطاهر التقي، لم يفكّر بغير اللَّه، ولم يتعلق قلبه بغير عشق اللَّه سبحانه.
وهناك امور اخرى زادت من عشق امرأة العزيز ليوسف ... فمن جهة لم تُرزق الولد، ومن جهة اخرى إنغمارها في حياة مترفة مفعمة بالبذخ ... ومن جهة ثالثة عدم إبتلائها بأيّ نوع من البلاء كما هي حال المتنعمين، وعدم الرقابة الشديدة على هذا القصر من قبل العزيز من جهة رابعة ... كل ذلك ترك امرأة العزيز- الفارغة من الإيمان والتقوى- تهوي في وساوسها الشيطانية إلى الحضيض، بحيث أفضت ليوسف أخيراً عمّا في قلبها وراودته عن نفسه.
واتّبعت جميع الأساليب والطرق للوصول إلى هدفها، وسعت لكي تلقي في قلبه أثراً من هواها وترغيبها وطلبها، كما يقول عن ذلك القرآن الكريم: «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ». وجملة «راودته»: مأخوذة من مادّة «المراودة» وأصلها البحث عن المرتع والمرعى، ثم توسّعوا في هذا اللفظ فاطلق على كل ما يُطلب بالمداراة والملاءمة.
وهذا التعبير يشير إلى أنّ امرأة العزيز طلبت من يوسف أن ينال منها بطريق المسالمة والمساومة وبدون أي تهديد، وأبدت محبتها القصوى له بمنتهى اللين.
وأخيراً فكّرت في أن تخلو به وتوفّر له جميع ما يثير غريزته، من ثياب فضفاضة، وعطور عبقة شذية، وتجميلات مرغبة، حتى تستولي على يوسف وتأسره.
يقول القرآن الكريم: «وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ».
«غلّقت»: تدل على المبالغة وأنّها أحكمت غلق الأبواب.
وفي هذه الحال، حين رأى يوسف أنّ هذه الامور تجري نحو الإثم، ولم ير طريقاً لخلاصه منها، توجّه يوسف إلى زليخا و «قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ». وبهذا الكلام رفض يوسف طلب امرأة العزيز غير المشروع. وبهذه الجملة إعترف يوسف بوحدانية اللَّه تعالى من الناحية النظرية، وكذلك من الناحية العملية أيضاً، ثم أضاف: «إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ» ... أليس التجاوز ظلماً وخيانة واضحة «إِنَّهُ لَايُفْلِحُ الظَّالِمُونَ».
وهنا يبلغ أمر يوسف وامرأة العزيز إلى أدقّ مرحلة وأخطرها، حيث يعبّر القرآن عنه تعبيراً ذا مغزى كبير «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهنَ رَبِّهِ».