مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٠ - ١١ سورة هود
التّفسير
القرآن المعجزة الخالدة: يبدو من هذه الآيات أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يوكل إبلاغ الآيات- نظراً للجاجة الأعداء ومخالفتهم- لآخر فرصة، لذا فإنّ اللَّه سبحانه ينهى نبيّه في أوّل آية نبحثها عن ذلك بقوله: «فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ». لئلا يطلبوا منك معاجز مقترحة كنزول كنز من السماء، أو مجيء الملائكة لتصديقه «أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ».
إنّ هؤلاء لا يطلبون هذه المعاجز ليصدقوا دعوى النبي ويتبعوا الحق، بل هدفهم اللجاجة والعناد والتحجج الواهي، فلذلك تأتي الآية معقبة: «إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ». سواءً قبلوا دعواك أم لم يقبلوا، وسخروا منك أم لم يسخروا، فاللَّه هو الحافظ والناظر على كل شيء «وَاللَّهُ عَلَى كُلّ شَىْءٍ وَكِيلٌ». أي لا تكترث بكفرهم وإيمانهم فإنّ ذلك لا يعنيك، وإنّما وظيفتك أن تبلغهم، واللَّه سبحانه هو الذي يعرف كيف يحاسبهم، وكيف يعاملهم.
وبما أنّ الذين يتذرعون بالحجج ويشكلون على النبي كانوا أساساً منكرين لوحي اللَّه، ويقولون: إنّ هذه الآية ليست نازلة من قبل اللَّه، وإنّ هذا الكلام افتراه محمّد- وحاشاه من ذلك- على اللَّه كذباً، لذلك تأتي
الآية التالية
لتبيّن بصراحة تامة: «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَيهُ».
فقل لهم يا رسول اللَّه- إن كانوا صادقين في دعواهم أنّ ما تقوله ليس من اللَّه وأنّه من صنع الإنسان- فليأتوا بعشر سور مثل هذا الكلام مفتريات، وليدعوا- سوى اللَّه- ما شاؤوا «قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».
أمّا إذا لم يستجيبوا لدعوتك ولا للمسلمين، ولم يلبوا طلبك على الإتيان بعشر سور مفتريات كسور القرآن، فاعلموا أنّ ذلك الضعف وعدم القدرة دليل على أنّ هذه الآيات نزلت من خزانة علم اللَّه، ولو كانت من صنع بشر، فهم بشر أيضاً ... فلماذا لا يقدرون على ذلك: «فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ». واعلموا أيضاً أنّه لا معبود سوى اللَّه، ونزول هذه الآيات دليل على هذه الحقيقة «وَأَن لَّاإِلهَ إِلَّا هُوَ». فهل يسلم المخالفون مع هذه الحالة «فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ». أي بعد ما دعوناكم للإتيان بمثل هذه السور، وظهر عجزكم وعدم قدرتكم على ذلك، فهل يبقى شك في أنّ هذه الآيات منزلة من قبل اللَّه، ومع هذه المعجزة البينة ما زلتم منكرين، أم أنّكم تسلمون وتقرّون حقاً؟