مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٤ - ٨ سورة الانفال
الإبتعاد جانباً من الوسط نحو الأطراف والجوانب، والمقصود بهذه الجملة هو أنّ المقاتلين يقومون بتكتيك قتالي إزاء الأعداء، فيفرون من أمامهم نحو الأطراف ليلحقهم الأعداء: ثمّ يغافلونهم في توجيه ضربة قوية إليهم واستخدام فن الهجوم والإنسحاب المتتابع وكما يقول العرب: (الحرب كرّ وفرّ). الصورة الثانية: أن يرى المقاتل نفسه وحيداً في ساحة القتال، فينسحب للإلتحاق بإخوانه المقاتلين وليهجم معهم من جديد على الأعداء.
وتختتم الآية محل البحث بالقول: إنّ جزاء من يفرّ مضافاً إلى استحقاقه لغضب اللَّه فإنّ مصيره إلى النار: «وَمَأْوَيهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ».
ومن ضمن الإمتيازات الكثيرة التي كانت عند الإمام علي عليه السلام وربّما يشير إلى نفسه أحياناً ليكون نبراساً للآخرين قوله:
«إنّي لم أفر من الزحف قطّ، ولم يبارزني أحد إلّاسقيت الأرض من دمه» [١].
ولئلا يصاب المسلمون بالغرور في انتصارهم، ولئلا يعتمدوا على قواهم الجسمية فحسب، وليذكروا اللَّه في قلوبهم دائماً، وليتعلقوا به طلباً لألطافه، فإنّ
الآية التالية
تقول:
«فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمَى».
وتشير الآية في ختامها إلى لطيفة مهمة اخرى، وهي أنّ ساحة بدر كانت ساحة امتحان واختبار، إذ تقول: «وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا».
لهذا فإنّ الآية تختتم بهذه الجملة: «إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ». أي إنّ اللَّه سمعَ صوت استغاثة النبي والمؤمنين، واطلع على صدق نيّاتهم، فأنزل ألطافه عليهم جميعاً ونصرهم على عدوّهم، وأنّ اللَّه يعامل عباده بهذه المعاملة حتى في المستقبل، فيطلع على ميزان صدق نياتهم وإخلاصهم واستقامتهم.
وفي
الآية التالية
يقول سبحانه تعميماً لهذا الموضوع وأنّ مصير المؤمنين والكفار هو ما سمعتم، فيقول: «ذلِكُمْ». ثمّ يعقب القرآن مبيناً العلة: «وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ».
٨/ ١٩ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَ إِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَ لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَ لَوْ كَثُرَتْ وَ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)
[١] تفسير نور الثقلين ٢/ ١٣٩.