مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٥ - ٧ سورة الاعراف
فالتفت السحرة في غرور خاص وكبير إلى موسى عليه السلام وقالوا: إمّا أن تشرع فتلقي عصاك، وإمّا أن نشرع نحن فنلقي عصيّنا؟ «قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ».
فقال موسى عليه السلام بمنتهى الثقة والإطمئنان: بل اشرعوا أنتم «قَالَ أَلْقُوا».
وعندما ألقى السحرة بحبالهم وعصيّهم في وسط الميدان سحروا أعين الناس، وأوجدوا بأعمالهم وأقاويلهم المهرجة ومبالغاتهم خوفاً في قلوب المتفرجين وأظهروا سحراً كبيراً رهيباً: «فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ».
«السحر»: تعني في الأساس الخداع والشعوذة، وقد يطلق أيضاً على كل عامل غامض، ودافع غير مرئي.
في هذه اللحظة التي اعترت الناس فيها حالة من النشاط والفرح، وتعالت صيحات الإبتهاج من كل صوب، وعلت وجوه فرعون وملائه ابتسامة الرضى، ولمع في عيونهم بريق الفرح، أدرك الوحي الإلهي موسى عليه السلام وأمره بإلقاء العصى، وفجأة انقلب المشهد وتغير، وبدت الدهشة على الوجوه، وتزعزت مفاصل فرعون وأصحابه كما يقول القرآن الكريم:
«وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ».
«تلقف»: مشتقة من مادة «لَقْف» (على وزن سَقف) بمعنى أخذ شىء بقوة وسرعة، سواء بواسطة الفم، والأسنان، أو بواسطة الأيدي، ولكن تأتي في بعض الموارد بمعنى البلع والإبتلاع أيضاً، والظاهر أنّها جاءت في الآية الحاضرة بهذا المعنى.
«يأفكون»: مشتقّة من مادة «إفك» على وزن «مسك» وهي تعني في الأصل الإنصراف عن الشيء، وحيث إنّ الكذب يصرف الإنسان من الحق أطلق على الكذب لفظ «الإفك».
وفي هذا الوقت ظهر الحق، وبطلت أعمالهم المزّيفة: «فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». لأنّ عمل موسى كان عملًا واقعياً، وكانت أعمالهم حفنة من الحيل ومن أعمال الشعبذة، ولا شك أنّه لا يستطيع أي باطل أن يقاوم الحق دائماً.
وهذه هي أوّل ضربة توجهت إلى أساس السلطان الفرعوني الجبّار.
ثم يقول تعالى في
الآية اللاحقة:
وبهذه الطريقة ظهرت آثار الهزيمة فيهم، وصاروا جميعاً أذلاء: «فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ».
والضربة الأقوى كانت عندما تغير مشهد مواجهة السحرة لموسى عليه السلام تغييراً كلّياً، وذلك عندما وقع السحرة فجأة على الأرض ساجدين لعظمة اللَّه «وَأُلْقِىَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ».