مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٦ - ٧ سورة الاعراف
تصبح كبيراً، بل على العكس من ذلك أصبتَ بالصغار والذلة.
إنّ هذه الجملة توضّح بجلاء أنّ شقاء الشيطان كله كان وليد تكبّره. في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«اصول الكفر ثلاثة: الحرص والاستكبار والحسد، فأمّا الحرص فإنّ آدم عليه السلام حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها، وأمّا الاستكبار فإبليس حيث امر بالسجود لآدم فأبى، وأمّا الحسد فإبنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه».
ولكن قصة الشيطان لم تنته إلى هذا الحد، فهو عندما عرف بأنّه صار مطروداً من حضرة ذي الجلال زاد من طغيانه ولجاجته، وبدل أن يتوب ويثوب إلى اللَّه ويعترف بخطئه فإنّ الشيء الوحيد الذي طلبه من اللَّه تعالى هو أن يمهله ويؤجّل موته إلى يوم القيامة: «قَالَ أَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ».
ولقد استجاب اللَّه لهذا الطلب، ف «قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ».
غير أنّ الشيطان لم يبغ من مطلبه هذا (أي الإمهال الطويل) الحصول على فرصة لجبران مافات منه أو ليعمّر طويلًا، إنّما كان هدفه من ذلك هو إغواء بني البشر «قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ». أي لأغوينهم كما غويت، ولُاضلنّهم كما ضللت.
ثمّ إنّ الشيطان أضاف- تأكيداً لقوله- بأنّه لن يكتفي بالقعود بالمرصاد لهم، بل سيأتيهم من كل حدب وصوب، ويسدّ عليهم الطريق من كل جانب «ثُمَّ لَأَتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ».
ولقد نقل- في المجمع- عن الإمام الباقر عليه السلام تفسير أعمق لهذه الجهات الأربع حيث قال:
«ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم، معناه: اهوّن عليهم أمر الآخرة؛ ومن خلفهم، آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم؛ وعن أيمانهم، افسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة؛ وعن شمائلهم، بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم».
وفي
آخر آية
من الآيات المبحوثة هنا يصدر مرّة اخرى الأمر بخروج الشيطان من حريم القرب الإلهي والمقام الرفيع، بفارق واحد، هو أنّ الأمر بطرده هنا اتّخذ صورة أكثر ازدراء وتحقيراً، وأشد عنفاً ووقعاً، ولعل هذا كان لأجل العناد واللجاج الذي أبداه الشيطان بالإلحاح على الوسوسة للإنسان وإغوائه وإغرائه، يعني أنّ موقفه الأثيم في البداية كان منحصراً في التمرد على أمر اللَّه وعدم إمتثاله، ولهذا صدر الأمر بخروجه فقط، ولكن عندما أضاف معصية أكبر إلى معصيته بالعزم على إضلال الآخرين جاء الأمر المشدد: «قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا».