مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٦ - ٦ سورة الأنعام
هذه الآية هي نتيجة الآيات السابقة، إذ تقول: بعد كل تلك الأدلة والآيات الواضحة التي تؤكد التوحيد: «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا». وهو الذي أنزل هذا الكتاب السماوي العظيم الذي فيه كل احتياجات الإنسان التربوية، وما يميّز بين الحق والباطل والنور والظلمة، والكفر والإيمان: «وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا».
وليس الرسول والمسلمون وحدهم يعلمون أنّ هذا الكتاب قد نزل من اللَّه، بل إنّ أهل الكتاب (اليهود والنصارى) يعلمون ذلك أيضاً، لأنّ علائم هذا الكتاب السماوي قرؤوها في كتبهم ويعلمون أنّه نزل من اللَّه بالحق: «وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبّكَ بِالْحَقّ».
وعلى ذلك لم يبق مجال للشك فيه، وكذلك أنت أيّها النبي لا تشك فيه أبداً، «فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ».
الآية التالية
تقول: «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّامُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
«الكلمة»: بمعنى القول وتطلق على كل جملة وكل كلام مطولًا كان أم موجزاً، أمّا بالنسبة لاستعمالها في هذه الآية إنّها تعني القرآن لأنّ الآيات السابقة كانت تشير إلى القرآن. فيكون معنى الآية إذن: إنّ القرآن ليس موضع شكّ بأيّ شكل من الأشكال، فهو كامل من جميع الجهات ولا عيب فيه، وكل أخباره وما فيه من تواريخ صدق، وكل أحكامه وقوانينه عدل.
ويستند بعض المفسرين إلى هذه الآية لاثبات عدم تحريف القرآن، لأنّ تعبير «لَّامُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ» تعني أنّ أحداً لا يستطيع أن يحدث في القرآن تبديلًا أو تغييراً، لا في لفظه، ولا في أخباره، ولا في أحكامه، وأنّ هذا الكتاب السماوي الذي يجب أن يبقى حتى نهاية العالم هادياً للناس سيبقى محفوظاً ومصوناً من أغراض الخائنين والمحرّفين.
٦/ ١١٧- ١١٦ وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧) نعلم أنّ آيات هذه السورة نزلت في مكّة، يوم كان المسلمون قلّة في العدد، ولعل قلّتهم هذه وكثرة المشركين وعبدة الأصنام كانت مدعاة لتوهّم بعضهم أنّه إذا كان دين اولئك