مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٨
١٥/ ٩ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) حفظ القرآن من التحريف: بعد أن استعرضت الآيات السابقة تحجج الكفار واستهزاءهم بالنبي صلى الله عليه و آله والقرآن، تأتي هذه الآية المباركة لتواسي قلب النبي صلى الله عليه و آله من جهة ولتطمئن قلوب المؤمنين المخلصين من جهة اخرى، من خلال طرح مسألة حيوية ذات أهمية بالغة لحياة الرسالة، ألا وهي حفظ القرآن من التلاعب والتحريف: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ». فبناء هذا القرآن مستحكم وشمس وجوده لا يغطيها غبار الضلال، ومصباح هديه أبديّ الإنارة، ولو اتحد أعتى جبابرة التاريخ وطغاته وحكّامه الظلمة، محفوفين بعلماء السوء، ومزوّدين بأقوى الجيوش عدّة وعتاداً، على أن يخمدوا نور القرآن، فلن يستطيعوا، لأنّ الحكيم الجبّار سبحانه تعهد بحفظه وصيانته.
وقد اختلف المفسرون في دلالة (حفظ القرآن) في هذه الآية المباركة، والصحيح، وفقاً لظاهر الآية المذكورة، أنّ اللَّه تعالى وعد بحفظ القرآن من جميع النواحي: من التحريف، من التلف والضياع، ومن سفسطات الأعداء المزاجية ووساوسهم الشيطانية.
المشهور بين أوساط جلّ علماء المسلمين، أنّ القرآن لم يتعرض لأيّنوع من التحريف، وأنّ الذي بين أيدينا هو عين القرآن الذي نزل على صدر الحبيب محمّد النبي صلى الله عليه و آله. فلا زيادة أو نقصان، حتى بكلمة واحدة، أو بحرف واحد.
١٥/ ١٥- ١٠ وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ قَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَ لَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) العناد والتعصب: تواسي الآيات قلب النبي صلى الله عليه و آله وقلوب المؤمنين لما كانوا يواجهونه من صعاب في طريق دعوتهم، من خلال الإشارة إلى صراع الأنبياء السابقين مع أقوامهم الضالة والمتعصبة. فتقول أوّلًا: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الْأَوَّلِينَ».
ولكنّهم من العناد والتعصب لدرجة: «وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ».
ذلك الاستهزاء وتلك السخرية لاعتبارات عدّة: