مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٨ - ١٢ سورة يوسف
الحسين عليه السلام الفجر بالمدينة يوم الجمعة فلمّا فرغ من صلاته وسُبحته نهض إلى منزله وأنا معه، فدعا مولاةً له تسمّى سكينة فقال لها:
«لا يعبُر على بابي سائلٌ إلّاأطعَمتُموه فإنّ اليوم يوم الجمعة».
قلت له: ليس كل من يسأل مستحِقّاً؟ فقال:
«يا ثابت، أخاف أن يكون بعض من يسألنا محقّاً فلا نُطعمه ونردّه فينزل بنا- أهل البيت- ما نزل بيعقوب وآله. أطعِموهم أطعموهم. إنّ يعقوب كان يَذبح كل يوم كبشاً فيتصدّق منه ويأكل هو وعياله منه، وإنّ سائلًا مؤمناً صوّاماً محقّاً له عند اللَّه منزلة، وكان مجتازاً غريباً اعترّ على باب يعقوب عشيّة جمعة عند أوان إفطاره يهتِف على بابه: أطعموا السائل المجتاز الغريب الجائع من فضل طعامكم. يهتف بذلك على بابه مراراً وهم يسمعونه، قد جهلوا حقّه ولم يصدقوا قوله، فلمّا أيس أن يطعموه وغشيه الليل استرجع واستعبر وشكا جوعه إلى اللَّه عزّ وجلّ وبات طاوياً، وأصبح صائماً جائعاً صابراً حامداً للَّه تعالى، وبات يعقوب وآل يعقوب شباعاً بطاناً وأصبحوا وعندهم فضل من طعامهم».
قال:
«فأوحى اللَّه عزّ وجلّ إلى يعقوب في صبيحة تلك الليلة: لقد أذللت- يا يعقوب- عبدي ذلّة استجررت بها غضبي، واستوجبت بها أدبي، ونزول عقوبتي وبلواي عليك وعلى ولدك. يا يعقوب، إنّ أحبّ أنبيائي إليّ وأكرمهم عليّ من رحم مساكين عبادي وقرّبهم اليه وأطعمهم، وكان لهم مأوىً وملجأ. يا يعقوب، أما رحمت ذميال عبدي المجتهد في عبادته، القانع باليسير من ظاهر الدنيا عشاء أمس، لمّا اعترّ ببابك عند أوان افطاره وهتف بكم: أطعموا السائل الغريب المجتاز القانع. فلم تطعموه شيئاً، فاسترجع واستعبر وشكا ما به إليّ وبات طاوياً حامداً لي وأصبح لي صائماً، وأنت- يا يعقوب- ووُلدك شِباعٌ، وأصبحت وعندكم فضل من طعامكم.
أوما علمت- يا يعقوب- أنّ العقوبة والبلوى إلى أوليائي أسرع منها إلى أعدائي؟»
فقلت لعليّ بن الحسين عليه السلام: جعلت فداك، متى رأى يوسف الرؤيا؟ فقال:
«في تلك الليلة التي بات فيها يعقوب وآل يعقوب شباعاً ...».
يستفاد من هذا الحديث أنّ زلّة بسيطة أو بعبارة أدق: «ترك الأولى» وهو لا يعدّ خطيئة أو إثماً، لأنّ يعقوب لم يتّضح له حال السائل ... هذا الترك من قبل الأنبياء والأولياء يكون سبباً لأن يبتليهم اللَّه بلاءً شديداً ... وما ذلك إلّالمقامهم الكبير الذي يوجب عليهم أن يراقبوا كل حركاتهم وسكناتهم، لأنّ «حسنات الأبرار سيئات المقربين».
٢- دعاء يوسف البليغ الجذّاب: في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لما طرح إخوة يوسف في الجبّ أتاه جبرئيل عليه السلام فدخل عليه فقال: يا غلام ما تصنع ههنا؟ فقال: إنّ إخوتي