مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٣ - ١٢ سورة يوسف
يوسف أو إرساله إلى البقاع البعيدة التي يُخشى عليه من الهلاك فيها ... فاقترح عليهم اقتراحاً ثالثاً، وهو أن يلقى في البئر (بشكل لا يصيبه مكروه) لتمرّ قافلة فتأخذه معها، ويغيب عن وجه أبيه ووجوههم، حيث تقول الآية في هذا الصدد: «قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ لَاتَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَتِ الْجُبّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ». «الجبّ»: معناه «البئر» التي لم تنضّد بالطابوق والصخور، ولعلّ أغلب آبار الصحراء على هذه الشاكلة.
يستفاد من جملة «إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ» أنّ القائل لم يكن يرغب- أساساً- حتى بهذا الاقتراح ولعلّه كان لا يوافقهم على إيذاء يوسف أصلًا.
أثر الحسد المدمّر في حياة الناس: الدرس الآخر الذي نتعلّمه من هذه القصة، وهو أنّ الحسد يمكن أن يدفع الإنسان حتى إلى قتل أخيه، أو ايجاد المشاكل له، فنار الحسد إذا لم يمكن إخمادها فإنّها ستحرق صاحبها بالإضافة إلى إحراق الآخرين بها.
ولهذا نجد في الأحاديث الإسلامية تعابير مؤثرة تدعو إلى مكافحة هذه الرذيلة، وعلى سبيل المثال نورد منها ما يلي:
١- في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال اللَّه عزّ وجلّ لموسى بن عمران عليه السلام: يابن عمران لا تحسدنّ الناس على ما آتيتهم من فضلي ولا تمدّن عينيك إلى ذلك ولا تتبعه نفسك فإنّ الحاسد ساخط لنعمي صادّ لقسمي الذي قسمت بين عبادي، ومن يك كذلك فلست منه وليس منّي».
٢- وفي الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال:
«آفة الدين الحسد والعجب والفخر».
كما نقرأ له حديثاً يقول:
«إنّ المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط».
كما نستنتج درساً آخر من هذا المقطع في القصة، وهو أنّ الوالدين ينبغي أن يلاحظا أبناءها الآخرين عند إبراز عنايتهما ومحبتهما لواحد منهم، لأنّ إبراز العلاقة لبعض الأبناء دون بعض توجد عقدةً في نفوس الآخرين، إلى درجة أنّها تجرّهم إلى كل عمل مخرّب، حيث يجدون شخصياتهم منهزمة ولابدّ من تحطيم شخصية أخيهم للتعويض عن هذه الهزيمة، فيكون الإقدام على هذا العمل دون لحاظ الرحمية ووشائج القربى.
وإذا لم يستطع الإنسان أن يقوم بعمل معاكس، فإنّه يظل يلوم نفسه ويحرضها حتى يبتلى بالمرض النفسي.
وفي هذا الصدد نقرأ في الروايات الإسلامية أنّ الإمام الباقر عليه السلام قال يوماً:
«واللَّه إنّي