مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٣ - ١٠ سورة يونس
الفصل الأخير من المجابهة مع الظالمين: هذه الآيات جسّدت آخر مرحلة من المواجهة بين بني إسرائيل والفراعنة وبيّنت مصير هؤلاء في عبارات قصيرة، فتقول أوّلًا:
إنّنا جاوزنا ببني إسرائيل البحر- وهو نهر النيل العظيم أطلق عليه اسم البحر لعظمته- أثناء مواجهتهم للفراعنة، وعندما كانوا تحت ضغط ومطاردة هؤلاء: «وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إِسْرَاءِيلَ الْبَحْرَ». إلّاأنّ فرعون وجنوده طاردوا هؤلاء من أجل القضاء على بني إسرائيل:
«فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا». «البغي»: يعني الظلم، «والعدو»: بمعنى التعدي، أي إنّ هؤلاء إنّما طاردوهم وتعقبوهم لغرض الظلم والتعدي عليهم، أي على بني إسرائيل.
جملة
«فأتبعهم»
توحي بأنّ فرعون وجنوده قد تتبعوا بني إسرائيل طوعاً.
فإنّ هذه الأحداث قد استمرت حتى أوشك فرعون على الغرق، وأصبح كالقشة تتقاذفه الأمواج وتلهو به، فعنذاك زالت حجب الغرور والجهل من أمام عينه، وسطع نور التوحيد الفطري وصدع بالإيمان: «حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُ لَاإِلهَ إِلَّا الَّذِى ءَامَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَاءِيلَ». فلست مؤمناً بقلبي فقط، بل إنّي من المسلمين عملياً: «وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ».
ولمّا تحققت تنبؤات موسى عليه السلام الواحدة تلو الاخرى وأدرك فرعون صدق هذا النبي الكبير أكثر فأكثر وشاهد قدرته وقوته، اضطر إلى إظهار الإيمان على أمل أن ينقذه ربّ بني إسرائيل كما أنجاهم من هذه الأمواج المتلاطمة ولذلك يقول: آمنت أنّه لا إله إلّاالذي آمنت به بنو إسرائيل!
إلّا أنّ من البديهي أنّ مثل هذا الإيمان الذي يتجلّى عند نزول البلاء ونشوب أظفار الموت، إيمان اضطراري يتشبث به كل جان ومجرم ومذنب وليست له أيّة قيمة، أو يكون دليلًا على حسن نيّته أو صدق قوله، ولهذا فإنّ اللَّه سبحانه خاطبه فقال: «ءَالنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ».
لكن «فَالْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً». آية للحكام المستكبرين ولكلّ الظالمين والمفسدين، وآية للفئات المستضعفة.
والمراد من البدن هنا، جسد فرعون الذي فارقته الروح، لأنّ عظمة فرعون في أفكار الناس في ذلك المحيط بلغت حدّاً بحيث إنّ الكثير لولا ذلك لم يكن يصدق أن فرعون يمكن أن يغرق، وكان من الممكن أن تنسج الأساطير والخرافات الكاذبة حول نجاة وحياة فرعون بعد هذه الحادثة، لذلك ألقى اللَّه سبحانه جسده خارج الماء.