مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٥ - ١٠ سورة يونس
١٠/ ١٩ وَ مَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَ لَوْ لَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩) إنّ هذه الآية- تتمة للبحث الذي مرّ في الآية السابقة حول نفي الشرك وعبادة الأصنام- تشير إلى فطرة التوحيد لكل البشر، وتقول: «وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً».
إنّ فطرة التوحيد هذه، والتي كانت سالمة في البداية، إلّاأنّها قد اختلفت وتلوّثت بمرور الزمن نتيجة الأفكار الضيقة، والميول الشيطانية والضعف، فانحرف جماعة عن جادة التوحيد وتوجهوا إلى الشرك، وقد انقسم المجتمع الإنساني إلى قسمين مختلفين: قسم موحّد، وقسم مشرك: «فَاخْتَلَفُوا». بناءً على هذا فإنّ الشرك في الواقع نوع من البدعة والانحراف عن الفطرة، الانحراف المترشح من الأوهام والخرافات التي لا أساس لها.
وقد يطرح هنا هذا السؤال، وهو: لماذا لا يرفع اللَّه هذا الاختلاف بواسطة عقاب المشركين السريع، ليرجع المجتمع الإنساني جميعه موحّداً؟
ويجيب القرآن الكريم مباشرة عن هذا السؤال بأنّ الحكمة الإلهية تقتضي حرية البشر في مسير الهداية، فهي رمز التكامل والرقي، ولو لم يكن أمره كذلك فإنّ اللَّه سبحانه كان سيقضي بينهم في اختلافاتهم: «وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ».
١٠/ ٢٠ وَ يَقُولُونَ لَوْ لَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠) المعجزات المقترحة: مرّة اخرى يتطرق القرآن الكريم إلى اختلاق المشركين للحجج عند امتناعهم عن الإيمان والإسلام: «وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مّن رَّبّهِ».
إنّ هؤلاء كانوا يظنون أنّ الإعجاز أمر بيد النبي صلى الله عليه و آله وهو يستطيع أن يقوم به في أي وقت وبأية كيفية يريد، ولهذا فإنّ القرآن الكريم يأمر النبي صلى الله عليه و آله مباشرة: «فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ». وبناء على هذا، فإنّ المعجزة ليست بيدي لآتيكم كل يوم بمعجزة جديدة إرضاءً لأهوائكم وحسب ميولكم ورغباتكم ثمّ لا تؤمنون بعد ذلك بأعذار واهية وحجج ضعيفة.
وفي النهاية تقول الآية بلهجة التهديد: «فَانتَظِرُوا إِنّى مَعَكُم مِّنَ الْمُنْتَظِرِينَ». فانتظروا العقاب الإلهي، وأنا أنتظر النصر!