مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٤ - ٩ سورة التوبة
يعتبرون ذلك ضرراً وخسارة لحقت بهم، لا أنّه توفيق ونصر وتجارة رابحة: «وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا» [١]. ومن الصفات الاخرى لهؤلاء أنّهم دائماً ينتظرون أن تحيط بكم المصائب والنوائب والمشاكل، ويرميكم الدهر بسهمه: «وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ».
«الدوائر»: جمع دائرة، ومعناها معروف، ولكن العرب يقولون للحادثة الصعبة والأليمة التي تحل بالإنسان: دائرة، وجمعها «دوائر».
في الواقع أنّ هؤلاء أفراد ضيقو النظر، وبخلاء وحسودون.
ثم تقول الآية- بعد ذلك- إنّ هؤلاء ينبغي أن لا يتربصوا بكم، وينتظروا حلول المصائب والدوائر بكم، لأنّها في النهاية ستحل بهم فقط: «عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ».
ثمّ تختم الآية الحديث بقولها: «وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»، فهو تعالى يسمع كلامهم، ويعلم بنياتهم ومكنون ضمائرهم.
أمّا
الآية الأخيرة
فقد أشارت إلى الفئة الثانية من الأعراب، وهم المؤمنون المخلصون، إذ تقول: «وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ». ولهذا السبب فإنّهم لا يعتبرون الإنفاق في سبيل اللَّه خسارة أبداً، بل وسيلة للتقرب إلى اللَّه ودعاء الرسول صلى الله عليه و آله لإيمانهم بالجزاء الحسن والعطاء الجزيل الذي ينتظر المنفقين في سبيل اللَّه: «وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ».
هنا يؤيّد اللَّه تعالى ويصدّق هذا النوع من التفكير، ويؤكّد على أنّ هذا الإنفاق يقرب هؤلاء من اللَّه قطعاً: «أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ» ولهذا «سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِى رَحْمَتِهِ» وإذا ما صدرت من هؤلاء هفوات وعثرات، فإنّ اللَّه سيغفرها لهم لإيمانهم وأعمالهم الحسنة، ف «إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ».
٩/ ١٠٠ وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)
[١] «مغرم»: مأخوذة من مادة (غرم) على وزن (جرم)، وهي في الأصل بمعنى ملازمة الشيء، ولهذه المناسبة قيل للدائن والمدين اللذين لا يدع كل منهما صاحبه: غريم، وأيضاً قيل: غرامة، لنفس هذه المناسبة لأنّها تلازم الإنسان ولا تنقطع عنه إلّابأدائها.