مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٣ - ٩ سورة التوبة
أحياناً، وذلك لدفع خطرهم عن النبي صلى الله عليه و آله وفضحهم أمام الناس ليعرفوا حقيقتهم، ويحذروهم وليعرف المنافقون موقع اقدامهم ويكفّوا عن تآمرهم، ويشير القرآن إلى خوفهم من نزول سورة تفضحهم وتكشف خبيئة أسرارهم فقال: «يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِى قُلُوبِهِمْ».
إلّا أنّ العجيب في الأمر أنّ هؤلاء ولشدة حقدهم وعنادهم لم يكفّوا عن استهزائهم وسخريتهم، لذلك تضيف الآية: بأنّهم مهما سخروا من أعمال النبي صلى الله عليه و آله فإنّ اللَّه لهم بالمرصاد وسوف يظهر خبيث أسرارهم ويكشف عن دنيء نيّاتهم، فقال: «قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ».
أمّا
الآية الثانية
فإنّها أشارت إلى اسلوب آخر من أساليب المنافقين، وقالت: «وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ» [١]. أي إذا سألتهم عن الدافع لهم على هذه الأعمال المشينة قالوا: نحن نمزح وبذلك ضمنوا طريق العودة.
غير أنّ القرآن الكريم واجه هؤلاء بكل صرامة، وجابههم بجواب لا مفرّ معه من الإذعان للواقع، فأمر النبي صلى الله عليه و آله أن يخاطبهم: «قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ».
أي إنّه يسألهم: هل يمكن المزاح والسخرية حتى باللَّه ورسوله وآيات القرآن؟
هل يمكن إخفاء قضية تنفير البعير وسقوط النبي صلى الله عليه و آله من تلك العقبة الخطيرة، والتي تعني الموت، تحت عنوان ونقاب المزاح؟
ثم يأمر القرآن النبي صلى الله عليه و آله أن يقول للمنافقين بصراحة: «لَاتَعْتَذِرُوا» والسبب في ذلك أنّكم «قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ». فهذا التعبير يُشعر أنّ هذه الفئة لم تكن منذ البداية في صف المنافقين، بل كانوا مؤمنين لكنّهم ضعيفو الإيمان، بعد هذه الحوادث الآنفة الذكر سلكوا طريق الكفر.
واختتمت الآية بهذه العبارة: «إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ» فهي تبيّن أنّ طائفة قد استحقت العذاب نتيجة الذنوب والمعاصي، وهذا دليل على أنّ أفراد الطائفة الاخرى إنّما شملهم العفو الإلهي لأنّهم غسلوا ذنوبهم ومعاصيهم بماء التوبة من أعماق وجودهم.
[١] «خوض»: على وزن «حوض» وهو بمعنى الدخول التدريجي في الماء، ثم أطلقت على الدخول فيمختلف الأعمال من باب الكناية، إلّاأنّها جاءت في القرآن غالباً بمعنى الدخول أو الشروع بالأعمال أو الأقوال القبيحة البذيئة.