مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - ٨ سورة الانفال
إنّ هذا الشعار الإسلامي الكبير: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مّن قُوَّةٍ» إذا أضحى شعاراً شاملًا في كل مكان، ينادي به الصغير والكبير، والعالم وغير العالم، والمؤلف والخطيب، والجندي والضابط، والفلاح والتاجر، والتزموا به في حياتهم وطبقوه، كان كافياً لجبران التخلف والتأخر.
إنّ سيرة النبي صلى الله عليه و آله العملية وأئمة الإسلام تدل على أنّهم لم يدخروا وسعاً، واستغلوا كل فرصة لمواجهة العدو، كإعداد الجنود وتهيئة السلاح، وشد الأزر ورفع المعنويات، وبناء معسكرات التدريب، واختيار الزمان المناسب للهجوم، والعمل على استعمال مختلف الأساليب الحربية، ولم يتركوا أية صغيرة ولا كبيرة في ذلك.
والمعروف أنّ النبي بلغه أن سلاحاً جديداً مؤثراً صنع في اليمن أيام معركة حنين، فأرسل النبي جماعة إلى اليمن لشرائه فوراً.
الهدف من تهيئة السلاح وزيادة التعبئة العسكرية: ثم ينتقل القرآن بعد ذلك التعليم المهم إلى الهدف المنطقي والإنساني من وراء هذا الموضوع، فيقول: إنّ الهدف منه ليس تزويد الناس في العالم أو في مجتمعكم بأنواع الأسلحة المدمرة التي تهدم المدن وتحرق الاخضر واليابس وليس الهدف منه استغلال أراضي الآخرين وممتلكاتهم، وليس الهدف هو توسعة الإستعباد والاستعمار في العالم، بل الهدف من ذلك هو «تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ». لأنّ أكثر الأعداء لا يستمعون لكلمة الحق ولا يستجيبون لنداء المنطق والمبادئ الإنسانية، ولا يفهمون غير منطق القوة.
ثم تضيف الآية بأنّ المزيد من استعداداتكم العسكرية يخيف أعداء آخرين لا تعرفونهم فتقول: «وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَاتَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ».
تتضمن الآية تعليماً لمسلمي اليوم أيضاً، وهو أنّه لا ينبغي الإكتفاء بالإستعداد لأعداء الإسلام الذين تعرفونهم، بل عليكم أن تنتبهو للأعداء الاحتماليين أو «بالقوة» وأن تتهيأوا حتى تكونوا في أعلى حدّ من القوّة والقدرة.
وفي نهاية الآية إشارة إلى موضوع مهم آخر، وهو أنّ الإستعداد العسكري وجمع الأسلحة والأجهزة الحربية ووسائل الدفاع المختلفة، كل ذلك يحتاج إلى الدعم المالي اللازم له، لذلك تأمر المسلمين بالتعاون الجماعي لتهيئة ذلك المال، وأن ما يبذلونه في هذا الأمر فهو عطاء في سبيل اللَّه، ولن ينقص منه شيء أبداً «وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَ