مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٨ - ٨ سورة الانفال
ورسوله، فنزلت الآية فيه، فلما نزلت شدّ نفسه على سارية من سوارى المسجد. وقال: واللَّه لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب اللَّه عليّ! فمكث سبعة أيّام، لا يذوق طعاماً ولا شراباً حتى خرّ مغشياً عليه، ثم تاب اللَّه عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تيب عليك. فقال:
لا واللَّه لا أحل نفسي حتى يكون رسول اللَّه صلى الله عليه و آله هو الذي يحلّني. فجاءه فحلّه بيده، ثم قال أبو لبابة: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي.
فقال صلى الله عليه و آله: «يجزئك الثلث أن تصدّق به».
التّفسير
الخيانة وأساسها: يوجه اللَّه سبحانه في الآية الاولى من الآيتين محل البحث الخطاب إلى المؤمنين فيقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ».
إنّ الخيانة للَّهورسوله، هي وضع الأسرار العسكرية للمسلمين في تصرف أعدائهم، أو تقوية الأعداء أثناء محاربتهم.
ثم تقول الآية: «وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ».
«الخيانة»: في الأصل معناها: الإمتناع عن دفع حق أحد مع التعهد به، وهي ضد «الأمانة» والأمانة وإن كانت تطلق على الأمانة المالية غالباً، لكنها في منطق القرآن ذات مفهوم أوسع يشمل شؤون الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية كافة.
ويقول القرآن في آخر الآية: «وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ». أي إنّه قد يصدر منكم على نحو الخطأ ما هو خيانة، ولكن الاقدام على الخيانة مع العلم.
و
الآية بعدها
تحذر المسلمين ليجتنبوا الماديات والمنافع العابرة، لئلا يلقي على عيونهم وآذاتهم غشاء فيرتكبون خيانة تعرّض المجتمع إلى الخطر فتقول: «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَ أَوْلدُكُمْ فِتْنَةٌ».
فإذا زلت لنا قدم يوماً، فيجب علينا الإسراع في تصحيح المسير ك «أبي لبابة» وإذا كان المال هو السبب في الإنحراف، فعلينا بذله وإنفاقه في سبيل اللَّه.
وفي نهاية الآية بشارة كبرى لمن يخرج من هذين الامتحانين منتصراً، فتقول: «وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ».
فمهما كان حبّ الأبناء كبيراً، ومهما كانت الأموال محبوبة وكثيرة، فإنّ جزاء اللَّه وثوابه أعلى وأعظم من كل ذلك.
٨/ ٢٩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)