مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٠ - ٨ سورة الانفال
مكة. فقال النبي صلى الله عليه و آله لأصحابه:
«غضّوا أبصاركم وغضوا على النواجذ ولا تستلوا سيفاً حتى آذن لكم».
ثم رفع يده إلى السماء وقال:
«يا ربّ إن تهلك هذه العصابة لم تعبد وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد».
ثم أصابه الغشي فسرى عنه وهو يسكب العرق عن وجهه ويقول: «هذا جبرئيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين».
فهبت ريح عاصف على العدو، وكان المسلمون يحملون على عدوّهم والرياح تهب من خلفهم بوجه العدو، وأثبت المسلمون جدارة فائقة وصمدوا للقتال حتى قتلوا من المشركين سبعين، وأبو جهل من القتلى، وأسروا سبعين، وانهزم الجمع وولّوا الدُبر، ولم يُقتل من المسلمين إلّانفر قليل، وكانت هذه المعركة أوّل مواجهة مسلحة بين المسلمين وعدوّهم من قريش، وإنتهت بالنصر الساحق للمسلمين على عدوّهم.
التّفسير
في الآية الاولى- من الآيتين محل البحث- إشارة إلى وعد اللَّه بالنصر في معركة بدر إجمالًا، إذ تقول الآية: «وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ».
لكنكم لخوفكم من الخسائر واخطار وبلايا الحرب لم تكونوا راغبين فيها «وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ».
«شوكة»: ترمز إلى القدرة وتعني الشدّة، وأصلها مأخوذ من الشوك، ثم استعملت هذه الكلمة «الشوكة» في نصول الرماح، ثم اطلق هذا الاستعمال توسعاً على كل نوع من الأسلحة. فبناء على هذا فإنّ ذات الشوكة تعني الجماعة المسلحة، وغير ذات الشوكة تعني الجماعة غيرالمسلحة. أي إنّ فيكم من يرغب في مواجهة العدو مواجهة غير المسلحة، وذلك بمصادرة أموال تجارته، وذلك ابتغاء الراحة أو حبّاً منه للمنافع المادية، في حين أن الحرب أثبتت بعد تمامها أنّ الصلاح يكمن في تحطيم قوى العدو العسكرية، لتكون الطريق لاحبةً لإنتصارات كبيرة في المستقبل، ولهذا فإنّ الآية تعقّب بالقول: «وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ» [١].
[١] «الدابر»: بمعنى ذيل الشيء وعقبه، فبناءً على هذا يكون معنى «ويقطع دابر الكافرين» هو استئصال جذورهم.