مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٤ - ٧ سورة الاعراف
فهنا لابدّ أن يظهر موسى عليه السلام غضبه الشديد إذ العودة إلى الحق والصواب عسيرة في غير هذه الصورة. إنّ القرآن يستعرض ردّة فعل موسى الشديدة في قبال ذلك المشهد وفي تلك الأزمة، إذ يقول: إنّ موسى ألقى ألواح التوراة التي كانت بيده، وعمد إلى أخيه هارون وأخذ برأسه ولحيته وجرهما إلى ناحيته ساخطاً غاضباً.
وفي الحقيقة كان هذا الموقف يعكس- من جانب- حالة موسى عليه السلام النفسية، وانزعاجه الشديد تجاه وثنية بني إسرائيل وانحرافهم، ومن جانب آخر كان ذلك وسيلة مؤثرة لهزّ عقول بني إسرائيل الغافية، والفاتهم إلى بشاعة عملهم.
ثم إنّ القرآن الكريم ذكر أنّ هارون قال- وهو يحاول استعطاف موسى وإثبات برائته في هذه المسألة-: يابن ام هذه الجماعة الجاهلة جعلوني ضعيفاً إلى درجة أنّهم كادوا يقتلونني، فإذن أنا بريء، فلا تفعل بي ما سيكون موجباً لشماتة الأعداء بي ولا تجعلني في صف هؤلاء الظالمين «قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ».
لقد هدأ غضب موسى عليه السلام بعض الشيء، وتوجّه إلى اللَّه «قَالَ رَبّ اغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».
إنّ طلب موسى عليه السلام العفو والمغفرة من اللَّه تعالى لنفسه ولأخيه، لم يكن لذنب اقترفاه، بل كان نوعاً من الخضوع للَّه، والعودة إليه، وإظهار النفرة من أعمال الوثنيين القبيحة، وكذا لإعطاء درس عملي للجميع حتى يفكروا ويروا إذا كان موسى وأخوه- وهما لم يقترفا إنحرافاً- يطلبان من اللَّه العفو والمغفرة هكذا، فالأجدر بالآخرين أن ينتبهوا ويحاسبوا أنفسهم، ويتوجهوا إلى اللَّه ويسألوه العفو والمغفرة لذنوبهم. وقد فعل بنو إسرائيل هذا فعلًا- كما تفيد الآيتان السابقتان.
٧/ ١٥٤- ١٥٢ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَ الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَ آمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣) وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَ فِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)