مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٨ - ٧ سورة الاعراف
في هذه الآيات يبيّن لنا القرآن الكريم مشهداً آخر من الحوار الذي دار بين فرعون وبين ملئه حول وضع موسى عليه السلام. تقول الآية في البداية: «وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ». يستفاد من هذا التعبير أنّ فرعون بعد هزيمته أمام موسى عليه السلام ترك موسى وبني إسرائيل أحراراً مدّة من الزمن، ولم يترك بنو إسرائيل بدورهم هذه الفرصة من دون أن يشتغلوا بالدعوة والتبليغ لصالح دين موسى عليه السلام وأنّ فرعون كانت له معبودات وأصنام.
إنّ فرعون- بسبب تحذيرات أعوانه وحاشيته- صمم على اتّخاذ موقف متشدد من بني إسرائيل، فقال لحاشيته في معرض الجواب على تحريضهم وتحذيرهم: سأقتل أبناءهم وأستخدم نساءهم ونحن متفوقون عليهم على كل حال: «قَالَ سَنُقَتّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْىِ نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ». و
الآية اللاحقة
بيّنت خطّة موسى التي اقترحها على بني إسرائيل لمواجهة تهديدات فرعون، وشرح فيها شروط الغلبة على العدو، وذكرهم بأنّهم إذا عملوا بثلاث مباديء انتصروا على العدو حتماً:
أوّلها: الإتكال على اللَّه فقط «قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ».
والآخر: أن يثبتوا ولا يخافوا من تهديدات العدو: «وَاصْبِرُوا».
وللتأكيد على هذا المطلب، ومن باب ذكر الدليل، ذكّرهم بأنّ الأرض كلها ملك اللَّه وهو الحاكم عليها والمالك المطلق لها، فهو يعطيها لمن يشاء «إِنّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ».
وآخر هذه المباديء هو أن يعتمدوا التقوى لأنّ العاقبة لمن اتّقى «وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ».
هذه المبادىء والشروط الثلاثة ليست شرائط إنتصار قوم بني إسرائيل وحدهم على العدو، بل كل شعب أراد الغلبة على أعدائه لابدّ له من تحقيق هذه البرامج الثلاثة.
وفي
آخر آية
من الآيات الحاضرة يعكس القرآن الكريم شكايات بني إسرائيل وعتابهم من المشكلات التي ابتلوا بها بعد قيام موسى عليه السلام فيقول: «قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا». فإذاً متى يحصل الفرج؟!
وكأنّ بني إسرائيل مثل كثير منّا كانوا يتوقعون أن تصلح جميع الامور بقيام موسى عليه السلام في ليلة واحدة ....