الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - الإخلاص
فهنا لا يمكن العبور من هذه المطبّات، إلّابتوفيقٍ من الباري تعالى، و تسديدٍ إلهي يشمل حال السّائرين إليه، و بدونه ستبقى الشّوائب عالقة في القلب و النّفس، و كأنّ الباري تعالى يريد أن يُتحف هؤلاء المخلِصين، الذين لم يتخلّصوا تماماً من عَلَق الشّوائب، و وصلوا بالقرب من النّهاية، بأن يبدل شوائبهم باليّقين، بلطفه و عنايته، و يجعلهم في عداد المخلَصين.
فعند وصول الإنسان إلى هذه المرحلة، يكون في مأمَنٍ من الأهواء، و من الوساوس الشّيطانية، بما يمثّل من تحدّيات صعبة في طريق التّكامل، و بالتّالي ينقطع طمع الشّيطان فيه، ويظهر عجزه عن إغوائه بصورةٍ رسميّةٍ.
و هنا يستقر المخلَصين في النّعيم الخالد، و يرتعون بالمواهب الإلهيّة، و يكون ثناؤهم و توصيفهم، للذات المقدّسة بالصّفات الجماليّة و الجلاليّة الإلهيّة، قد صبغت بصبغة التّوحيد الخالص، وبما أنّهم صفّوا حساباتهم في هذه الدنيا، فستكون عاقبتهم أنّهم سيدخلون الجنّة بغير حساب.
و يصف الإمام علي عليه السلام في بعض خطبه، التي وردت في نهج البلاغة، اولئك المخلصين، فيقول: «قَدْ أَخْلَصَ للَّهِ فَاسْتَخْلَصَ» [١].
و قال الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «فَعِنْدَ ذَلِكَ إسْتَخْلَصَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ لِنُبُوَّتِهِ وَ رِسالَتِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ المُشَرِّفَةِ الطَّيِّبَةِ ... مُحَمَّداً اخْتَصَّهُ للِنُبُوَّةِ وَاصطَفاهُ بِالرِّسالَةِ» [٢].
و في حديثٍ آخر عن أحد المعصومين عليهم السلام أنّه قال: «وَجَدْتُ ابنَ آدَمَ بَينَ الشَّيطانِ فَإنْ أَحَبِّهُ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمائَهُ، خَلَّصَهُ وَ آسْتَخْلَصَهُ وَإِلّا خَلّى بَينَهُ وَبَينَ عَدُوِّهِ» [٣].
و الخلاصة، إنّ الإخلاص في النيّة و الفكر و العمل، هو من أهمّ الخُطى في عمليّة التّهذيب و التّربية و السّير إلى اللَّه تعالى.
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ٨٧.
[٢]. بحار الأنوار، ج ١٤، ص ٥٢٠.
[٣]. المصدر السّابق، ج ٥، ص ٥٥.