الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٠ - ٧- علاقة «الأخلاق» و «التّغذية»
أشارت إلى فئةٍ من اليهود الذين مارسوا أنواعاً كثيرةً من الجرائم بحقّ الإسلام و المسلمين من قبيل التّجسس و تحريف الحقائق الواردة في الكتب السّماويّة، فقال الباري تعالى: «أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ».
و يعقّب مباشرةً قائلًا: «سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ».
و هذا التعبير يبيّن أنّ عدم طهارة قلوبهم، إنّما كان نتيجة لأعمالهم، الّتي منها تكذيب الرّسول والآيات الإلهيّة، وأكلهم للحرام بصورةٍ دائمةٍ، ومن البعيد في خطّ البّلاغة و الفصاحة، أن يأتي بأوصاف لا علاقة لها بجملة: «لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ».
و منها يعلم أنّ أكل السّحت يسوّد القلب و يُميته، و يكون سبباً لنفوذ عناصر الرّذيلة، و الزيغ، و الإبتعاد عن الخير والفضائل.
وفي الآية (٩١) من سورة المائدة، ورد الحديث عن شرب الخمر ولعب القمار، فقال عزّ من قائل: «إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ».
و لا شك فإنّ العداوة و البغضاء، هي من الحالات الباطنيّة، التي ترتبط برابطةٍ وثيقةٍ مع شرب الخمر ولعب القمار، كما ورد في الآية الشريفة، وهو دليل على أنّ أكل السّحت و الشّراب الحرام يساعد على بروز الرذائل الأخلاقية، و تكريس حالات العداء والخصومة بين الأفراد، في خط الشيطان.
ونقرأ في الآية (٥١) من سورة المؤمنون، قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً».
ويعتقد بعض المفسّرين أنّ تقارن ذكر هذين الأمرين: وهما «أكل الطّيبات و العمل الصالح»، هو خير دليلٍ على وثاقة العلاقة بينهما، و هي إشارةٌ إلى أنّ إختلاف و تنوّع الأكلات و الأطعمة، له معطيات أخلاقية مختلفة و متنوّعة أيضاً، فأكل الطيّبات، يطيّب الرّوح و يصلح العمل، وبالعكس فإنّ الأكل الحرام يُظلم الرّوح، و يخبّث العمل [١].
و قد إستدلّ في تفسير «روح البيان»، وبعد إشارته لعلاقة العمل الصّالح بأكل الطيّبات،
[١]. يرجى الرجوع إلى تفسير الأمثل، ذيل الآية ٥١، من سورة المؤمنون.