الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١ - تفسير و إستنتاج
و جُملة: «وَما انْزِلَ إِلَيْهِمْ مِن رَّبِّهِمْ»، تعني كلّ الكتب السّماوية، و من جُملتها القرآن الكريم، وذلك لأنّ اصولها في الواقع واحدةٌ، رغم أنّه وبمرور الزّمان، و حركة المجتمع الإسلامي في خط التّكامل و التّطور، نزلت أوامر وأحكام أكثر تطوراً من السابق.
«الآية الثامنة»: نستوحي منها تعبيراً جديداً عن علاقة الحياة الطيبة بالأعمال الصالحة، (و الصّفات التي هي منشأ لتلك الأعمال)، فتقول الآية: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ انْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةًطَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ».
الآيات السّابقة، كانت تؤكّد على تأثير الأخلاق على آفاق وأبعاد حركة الإنسان في الحياة الإجتماعية، وفي الآية هذه نجد أنّها تتناول الحياة الفردية، فيذكر فيها أنّ كلّ إنسانٍ من ذكر و انثى، إذا ما آمن وعمل صالحاً فسيحيى حياةً طيّبةً.
ولا نرى في هذه الآية أيّةَ إشارةٍ إلى أنّ «الحياة الطيّبة» محدودةٌ بيوم القيامة فقط، بل تشير ظاهراً إلى (الحياة الطيّبة) في الدنيا، أو تستوعب المفهوم العام للحياة في الدنيا والآخرة.
ولكن ما هي الحياة الطيّبة؟
إختلف المفسّرون في تفسير معنى الحياة الطيّبة، فبعض فسّرها باللقمة الحلال، وقال آخر أنّها القناعة والرضا بما قسمه اللَّه تعالى، وقال البعض أنّها العبادة مع لقمة الحلال، و قال آخرون أنّها التّوفيق لطاعة اللَّه تعالى، و تبنّى آخرون تفسيرها بالنّظافة من جميع الأوساخ والأدران، مثل الظّلم و الخيانة والعدوان و الذلّة و الطّهارة و النّظافة و الرّاحة، فكلّها تندرج تحت ذلك المفهوم، ولكن بالنّظر إلى جملة: «وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ»، النّاظرة للأجر الاخروي، يتبيّن أنّ المقصود من كلمة «الحياة الطيّبة»، هو الإشارة للحياة السّليمة في هذه الدنيا.
«الآية التاسعة»: تقرر أنّ الإعراض عن ذكر اللَّه تعالى و الغفلة عنه، هو السّبب في ضَنَك العيش وصعوبة الحياة، فيقول الله تعالى: «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَانَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً