الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٤ - الخطوة الخامسة المعاتبة والمعاقبة
ومسك الخِتام، نورد حديثاً يبيّن كيفيّة الحساب في يوم القيامة، عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه و آله، أنّه قال: «لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ يَومَ الَقيامَةِ، حَتّى يُسْئَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِي ما أَفناهُ وَعَنْ شَبابِهِ فَي ما أَبلاهُ، وَ عَنْ مالِهِ مِنْ أَينَ كَسَبَهُ وَ في ما أَنْفَقَهُ وَعَنْ حُبِّنا أَهْلَ البَيتِ» [١].
الخطوة الخامسة: المعاتبة والمعاقبة
بعد «المحاسبة»، يأتي دور المُعاتبة و المُعاقبة للنّفس على أخطائها وأغلاطها، فالحساب بدون إظهار ردّ الفعل، لا فائدة فيه ولا ثمرة، ونتيجته ستكون عكسيةً، بل تحمل النّفس على الجرأة والجسارة و العناد، في حركة الحياة والواقع، فكما يحاسب الرّئيس موظفيه عن تقصيرهم، و يعاقبهم بنوعٍ ما، وكلٌّ حسب حجم تقصيره، فكذلك يفعل السّائرون في طريق الباري، فإذا ما جَمَحَت بهم أنفسهم يوماً، فسوف يعاقبونها لجرأتها على سيّدها ومولاها.
و أكّد القرآن الكريم على هذه المسألة، فأقسَم بالنّفسِ اللّوامة، لأهميتها: «لا اقْسِمُ بِآلنَّفْسِ اللَّوامَة» [٢]، [٣].
و نحن نعلم أنّ النّفس اللوامة، هي الضّمير الحي الذي يردع صاحبه عن إرتكاب المعاصي، و هو نوع من العِقاب للنفس.
و من الواضح أنّ العقاب للنفس له درجاتٌ و مراتبٌ، و أوّل ما يبدأ من حالة الملامة، ثمّ يشدّد العقاب، وذلك بحرمان النّفس من بعض اللذائذ الدنيوية لفترة من الزّمن.
و أشار القرآن الكريم، لنموذجٍ رائعٍ حول هذا الموضوع، و ذلك بالنّسبة للثلاثة الذين
. المحجّة البيضاء، ج ٨، ص ١٦٨، (مع التلخيص).
[١]. خصال الصدوق، ص ٢٥٣.
[٢]. سورة القيامة، الآية ٢.
[٣]. المعروف بين المفسّرين: أنّ «لا» زائدة وللتأكيد، والجدير بالملاحظة أنّه وردت تفسيرات مختلفة «للنفس اللّوامة»، فبعض قال: أنّها إشارةٌ للكفّار و العاصين الذين يلومون أنفسهم في يوم القيامة، وبعض أشاروا إليهم في هذه الدنيا، أنّهم يستحقون الملامة في الدنيا قبل الآخرة، ولكنّ المعنى: «الوجدان أو الضمير المستيقظ»، أنسب من الجميع، و قَسَمٌ القرآن بهاٌ دليلٌ على أفضليّتها على باقي الامور.