الاخلاق فى القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٥ - الخطوة الخامسة المعاتبة والمعاقبة
تخلّفوا في غزوة تَبوك، و أمر الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله، الناس بمقاطعتهم في كلّ شيءٍ، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فعاقبوا أنفسهم على فعلتهم، و إنشغلوا بالتّوبة، و إنعزلوا عن الناس بالكامل، وبعد مدّة تاب اللَّه تعالى عليهم، ونزلت الآية الكريمة: «وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَامَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» [١].
فجملة: «وضاقت عليهم أنفسهم»، ربّما تكون إشارةً إلى مسألة: «معاقبة النّفس»، بالعزلة التي إختاروها لأنفسهم، فقبلها الباري تعالى منهم، وَ ورد في شأن النّزول للآية (١٠٢) من سورة التوبة: «وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».
فهي تشير إلى قصة: «أبو لُبابة الأنصاري»، و هو أحد أصحاب النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، ولكنّه تهاوَن عن نَصرة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، في غزوة تَبوك، و بعدها ندم أشدّ الندم، فأراد أن يُكفّر عن فِعلته، فذهب إلى مسجد النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله، وربط نفسه إلى أحد أعمدته، وأقسم أنّ لا يطلق نفسه إلّابموافقة اللَّه و رسوله، أو يتوب اللَّه تعالى عليه، فبقي على هذه الصورة حتى تاب اللَّه تعالى عليه، ونزلت الآية، وصرّحت بقبول اللَّه تعالى لِتوبته.
و من الواضح، أنّ أبا لُبابة كان قد تحرك من موقع مُحاسبة النفس، و مُعاقبتها على فِعلتها، و هو دليلٌ على أنّ السّير و السّلوك إلى اللَّه تعالى، كان موجوداً على عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله.
وأمّا جملة: «خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئَاً»، فهي أيضاً ربّما تكون إشارةً لذلك المعنى أيضاً، و أَتحفتنا الرّوايات أيضاً، وأرشدتنا إلى موضوع بحثنا، ومنها:
١- ما ورد عن علي عليه السلام، أنّ قال في أوصاف المتّقين، في نهج البلاغة:
«إِن اسْتَصْعَبَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ في ما تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِها سُؤلَها فِي ما تُحِبُّ» [٢].
و المقصود منه، أن يمنع نفسه في حالة جموحها، من النوم و الرّاحة و الأكل و الشّرب،
[١]. سورة التوبة، الآية ١١٨.
[٢]. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.