دانشنامه ميزان الحكمه - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٧٨
١٦٦٧.الإمام عليّ عليه السلام ـ في خُطبَةٍ لَهُ ـ : ولَقَد كانَ في رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله كافٍ لَكَ فِي الاُسوَةِ ، ودَليلٌ لَكَ عَلى ذَمِّ الدُّنيا وعَيبِها ، وكَثرَةِ مَخازيها ومَساويها ؛ إذ قُبِضَت عَنهُ أطرافُها ، ووُطِّئَت لِغَيرِهِ أكنافُها [١] ، وفُطِمَ عَن رَضاعِها ، وزُوِيَ [٢] عَن زَخارِفِها . وإن شِئتَ ثَنَّيتُ بِموسى كَليمِ اللّه ِ صلى الله عليه و سلمحَيثُ يَقولُ : «رَبِّ إِنِّى لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَىَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» [٣] ، وَاللّه ِ ! ما سَأَلَهُ إلاّ خُبزا يَأكُلُهُ ؛ لِأَنَّهُ كانَ يَأكُلُ بَقلَةَ الأَرضِ ، ولَقَد كانَت خُضرَةُ البَقلِ تُرى مِن شَفيفِ [٤] صِفاقِ [٥] بَطنِهِ ؛ لِهُزالِهِ وتَشَذُّبِ [٦] لَحمِهِ . وإن شِئتَ ثَلَّثتُ بِداودَ صلى الله عليه و سلم صاحِبِ المَزاميرِ وقارِئِ أهلِ الجَنَّةِ ، فَلَقَد كانَ يَعمَلُ سَفائِفَ الخوصِ [٧] بِيَدِهِ ، ويَقولُ لِجُلَسائِهِ : أيُّكُم يَكفيني بَيعَها! ويَأكُلُ قُرصَ الشَّعيرِ مِن ثَمَنِها . وإن شِئتَ قُلتُ في عيسىَ بنِ مَريَمَ عليه السلام ، فَلَقَد كانَ يَتَوَسَّدُ الحَجَرَ ، ويَلبَسُ الخَشِنَ ، ويَأكُلُ الجَشِبَ [٨] . وكانَ إدامُهُ الجوعَ ، وسِراجُهُ بِاللَّيلِ القَمَرَ ، وظِلالُهُ فِي الشِّتاءِ مَشارِقَ الأَرضِ ومَغارِبَها ، وفاكِهَتُهُ ورَيحانُهُ ما تُنبِتُ الأَرضُ لِلبَهائِمِ . ولَم تَكُن لَهُ زَوجَةٌ تَفتِنُهُ ، ولا وَلَدٌ يَحزُنُهُ ، ولا مالٌ يَلفِتُهُ ، ولا طَمَعٌ يُذِلُّهُ . دابَّتُهُ رِجلاهُ ، وخادِمُهُ يَداهُ! فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ الأَطيَبِ الأَطهَرِ صلى الله عليه و آله ، فَإِنَّ فيهِ اُسوَةً لِمَن تَأَسّى ، وعَزاءً لِمَن تَعَزّى ، وأحَبُّ العِبادِ إلَى اللّه ِ المُتَأَسّي بِنَبِيِّهِ ، وَالمُقتَصُّ لِأَثَرِهِ . قَضَمَ الدُّنيا قَضما [٩] ، ولَم يُعِرها طَرفا . أهضَمُ أهلِ الدُّنيا كَشحا [١٠] ، وأخمَصُهُم مِنَ الدُّنيا بَطنا . عُرِضَت عَلَيهِ الدُّنيا فَأَبى أن يَقبَلَها ، وعَلِمَ أنَّ اللّه َ سُبحانَهُ أبغَضَ شَيئا فَأَبغَضَهُ ، وحَقَّرَ شَيئا فَحَقَّرَهُ ، وصَغَّرَ شَيئا فَصَغَّرَهُ . ولَو لَم يَكُن فينا إلاَّ حُبُّنا ما أبغَضَ اللّه ُ ورَسولُهُ ، وتَعظيمُنا ما صَغَّرَ اللّه ُ ورَسولُهُ ، لَكَفى بِهِ شِقاقا للّه ِِ ، ومُحادَّةً [١١] عَن أمرِ اللّه ِ . ولَقَد كانَ صلى الله عليه و آله يَأكُلُ عَلَى الأَرضِ ، ويَجلِسُ جِلسَةَ العَبدِ ، ويَخصِفُ بِيَدِهِ نَعلَهُ ، ويَرقَعُ بِيَدِهِ ثَوبَهُ ، ويَركَبُ الحِمارَ العارِيَ ويُردِفُ خَلفَهُ ، ويَكونُ السِّترُ عَلى بابِ بَيتِهِ فَتَكونُ فيهِ التَّصاويرُ فَيَقولُ : يا فُلانَةُ ـ لاِءِحدى أزواجِهِ ـ غَيِّبيهِ عَنّي ؛ فَإِنّي إذا نَظَرتُ إلَيهِ ذَكَرتُ الدُّنيا وزَخارِفَها . فَأَعرَضَ عَنِ الدُّنيا بِقَلبِهِ ، وأماتَ ذِكرَها مِن نَفسِهِ ، وأحَبَّ أن تَغيبَ زَينَتُها عَن عَينِهِ ، لِكَيلا يَتَّخِذَ مِنها رِياشا [١٢] ، ولا يَعتَقِدُها قَرارا ، ولا يَرجو فيها مُقاما ، فَأَخرَجَها مِنَ النَّفس ، وأشخَصَها عَنِ القَلبِ ، وغَيَّبَها عَنِ البَصَرِ ، وكَذلِكَ مَن أبغَضَ شَيئا أبغَضَ أن يَنظُرَ إلَيهِ ، وأن يُذكَرَ عِندَهُ . ولَقَد كانَ في رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ما يَدُلُّكَ عَلى مَساوِئِ الدُّنيا وعُيوبِها ؛ إذ جاعَ فيها مَعَ خاصَّتِهِ [١٣] ، وزُوِيَت عَنهُ زَخارِفُها مَعَ عَظيمِ زُلفَتِهِ . فَليَنظُر ناظِرٌ بِعَقلِهِ : أكرَمَ اللّه ُ مُحَمَّدا بِذلِكَ أم أهانَهُ؟ فَإِن قالَ : أهانَهُ ، فَقَد كَذَبَ ـ وَاللّه ِ العَظيمِ ـ بِالإِفكِ العَظيمِ ، وإن قالَ : أكرَمَهُ ، فَليَعلَم أنَّ اللّه َ قَد أهانَ غَيرَهُ حَيثُ بَسَطَ الدُّنيا لَهُ ، وزَواها عَن أقرَبِ النّاسِ مِنهُ . فَتَأَسّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ ، وَاقتَصَّ أثَرَهُ ، ووَلَجَ مَولِجَهُ ، وإلاّ فَلا يَأمَنِ الهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللّه َ جَعَلَ مُحَمَّدا صلى الله عليه و آله عَلَما لِلسّاعَةِ ، ومُبَشِّرا بِالجَنَّةِ ، ومُنذِرا بِالعُقوبَةِ . خَرَجَ مِنَ الدُّنيا خَميصا ، ووَرَدَ الآخِرَةَ سَليما . لَم يَضَع حَجَرا عَلى حَجَرٍ حَتّى مَضى لِسَبيلِهِ وأجابَ داعِيَ رَبِّهِ . فَما أعظَمَ مِنَّةَ اللّه ِ عِندَنا حينَ أنعَمَ عَلَينا بِهِ سَلَفا نَتَّبِعُهُ ، وقائِدا نَطَأُ عَقِبَهُ . وَاللّه ِ لَقَد رَقَعتُ مِدرَعَتي [١٤] هذِهِ حَتَّى استَحيَيتُ مِن راقِعِها . ولَقَد قالَ لي قائِلٌ : ألا تَنبِذُها عَنكَ ؟ فَقُلتُ : اُغرُب عَنّي ، فَعِندَ الصَّباحِ يَحمَدُ القَومُ السُّرى [١٥] . [١٦]
[١] الكَنَف : الجانب والناحية (النهاية : ج ٤ ص ٢٠٥ «كنف») .[٢] زَوَيت الشيء عن فلان : أي نَحَّيته (لسان العرب : ج ١٤ ص ٣٦٤ «زوى») .[٣] القصص : ٢٤.[٤] ثوبٌ شَفيف : أي رقيق . شَفَّ يَشِفُّ شُفوفا فهو شِفٌّ : وهو الذي يُستَشَفّ ما وراءَه؛ أي يُبصَر (المصباح المنير : ص ٣١٧ «شفف») .[٥] الصِّفاق : الجِلد الأسفل تحتَ الجِلد الذي عليه الشَّعَر . أو جلد البطنِ كلِّه (القاموس المحيط : ج ٣ ص ٢٥٤ «صفق») .[٦] يقال : شُذِّبَ عن النخلة جريدُها ؛ أي قُطّع وفُرِّق (انظر النهاية : ج ٢ ص ٤٥٣ «شذب») .[٧] سَفَّ الخوصَ : نَسَجَه (القاموس المحيط : ج ٣ ص ١٥٢ «سفيف») .[٨] الجَشِب : هو الغليظ الخشن من الطعام. وقيل : غي�� المأدوم. وكلّ بشع الطعم جَشْب (النهاية : ج ١ ص ٢٧٢ «جشب»).[٩] قَضَم الدنيا : تناول منها قدْر الكفاف وما تدعو إليه الضرورة من خشِن العيشة ... وأصل القَضم : أكل الشيء اليابس بأطراف الأسنان (شرح نهج البلاغة : ج ٩ ص ٢٣٣) .[١٠] الكَشْح : الخاصِرة . ورجُلٌ أهضَم بَيِّن الهَضم : إذا كان خميصا لقلّة الأكل (شرح نهج البلاغة : ج ٩ ص ٢٣٤) .[١١] المُحادَّة : المعاداة والمخالفة (لسان العرب : ج ٣ ص ١٤٠ «حدد») .[١٢] الرِّيشُ والرِّياشُ بمعنىً؛ وهو اللباس الفاخِر . ويقال : المال والخِصْب والمعاش (الصحاح : ج ٣ ص ١٠٠٨ «ريش») .[١٣] خاصّته : اسم فاعل في معنى المصدر ، أي مع خصوصيّته وتفضّله عند ربّه (تعليقة صبحي الصالح على نهج البلاغة) .[١٤] المِدْرَعَة : ثَوبٌ ، ولا يكون إلاّ من صوف (القاموس المحيط : ج ٣ ص ٢٠ «درع») .[١٥] السُّرى : سَير عامَّة الليل (القاموس المحيط : ج ٤ ص ٣٤١ «سرى») . وقولهم : «عندَ الصباح يحمَدُ القومُ السُّرى» هو مَثَلٌ لما يُنال بالمشقَّة ، ويوصَل إليه بالتَّعَب (جمهرة الأمثال : ج ٢ ص ٣٨ الرقم ١٢٩٣) .[١٦] نهج البلاغة : الخطبة ١٦٠ ، بحار الأنوار : ج ١٦ ص ٢٨٤ ح ١٣٦ .