دانشنامه ميزان الحكمه - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣١٢
١٦٠٣.عنه عليه السلام : الرّيحُ لَو حُبِسَت أيّاماً لَفَسَدَتِ الأَشياءُ جَميعاً وتَغَيَّرَت. [١]
١٦٠٤.عنه عليه السلام ـ لِلمُفَضَّلِ بنِ عُمَرَ ـ : فَكِّر يا مُفَضَّلُ فيما خَلَقَ اللّه ُ عز و جلعَلَيهِ هذِهِ الجَواهِرَ الأَربَعَةَ لِيَتَّسِعَ ما يَحتاجُ إلَيهِ مِنها، فَمِن ذلِكَ سَعَةُ هذِهِ الأَرضِ وَامِتدادُها، فَلَولا ذلِكَ كَيفَ كانَت تَتَّسِعُ لِمَساكِنِ النّاسِ ومَزارِعِهِم ومَراعيهِم ومَنابِتِ أخشابِهِم وأحطابِهِم، وَالعَقاقيرِ العَظيمَةِ وَالمَعادِنِ الجَسيمَةِ غَناؤُها [٢] ، ولَعَلَّ مَن يُنكِرُ هذِهِ الفَلَواتِ الخاليَةَ وَالقِفارَ الموحِشَةَ يَقولُ: مَا المَنفَعَةُ فيها؟ فَهِيَ مَأوى هذِهِ الوُحوشِ ومَحالُّها ومَرعاها، ثُمَّ فيها بَعدُ مُتَنَفَّسٌ ومُضطَرَبٌ لِلناّسِ إذَا احتاجوا إلَى الاِستِبدالِ بِأَوطانِهِم، وكَم بَيداءَ وكَم فَدفَدٍ [٣] حالَت قُصوراً وجِناناً بِانتِقالِ النّاسِ إلَيها وحُلولِهمِ فيها، ولَولا سَعَةُ الأَرضِ وفُسحَتُها لَكانَ النّاسُ كَمَن هُوَ في حِصارٍ ضَيِّقٍ لا يَجِدُ مَندوحَةً [٤] عَن وَطَنِهِ إذا أحزَنَهُ أمرٌ يَضطَرُّهُ إلَى الاِنتِقالِ عَنهُ. ثُمَّ فَكِّر في خَلقِ هذِهِ الأَرضِ عَلى ما هِيَ عَلَيهِ حينَ خُلِقَت راتِبَةً راكِنَةً، فَيَكونُ مَوطِناً مُستَقَرّاً لِلأَشياءِ؛ فَيَتَمَكَّنُ النّاسُ مِنَ السَّعيِ عَلَيها في مَآرِبِهِم [٥] ، وَالجُلوسِ عَلَيها لِراحَتِهِم، وَالنَّومِ لِهُدُوئِهِم، وَالإِتقانِ لِأَعمالِهِم. فَإِنَّها لَو كانَت رَجراجَةً [٦] مُتَكَفِّئَةً ، لَم يَكونوا يَستَطيعونَ أن يُتقِنُوا البِناءَ وَالتِّجارَةَ وَالصَّناعَةَ وما أشبَهَ ذلِكَ، بَل كانوا لا يَتَهَنَّؤونَ بِالعَيشِ وَالأَرضُ تَرتَجُّ مِن تَحتِهِم! وَاعتَبِر ذلِكَ بِما يُصيبُ النّاسَ حينَ الزَّلازِلِ عَلى قِلَّةِ مَكثِها حَتّى يُصيروا إلى تَركِ مَنازِلِهم وَالهَرَبِ عَنها. فَإِن قالَ قائِلٌ: فَلِمَ صارَت هذِهِ الأَرضُ تُزَلزَلُ؟ قيلَ لَهُ: إنَّ الزَّلزَلَةَ وما أشبَهَها مَوعِظَةٌ وتَرهيبٌ؛ يُرَهَّبُ بِهَا النّاسُ لِيَرعَووا عَنِ المَعاصي، وكَذلِكَ ما يَنزِلُ بِهِم مِنَ البَلاءِ في أبدانِهِم وأموالِهِم، يَجري فِي التَّدبيرِ عَلى ما فيهِ صَلاحُهُم وَاستِقامَتُهُم ، ويُدَّخَرُ لَهُم ـ إن صَلَحوا ـ مِنَ الثَّوابِ وَالعِوَضِ فِي الآخِرَةِ ما لا يَعدِلُهُ شَيءٌ مِن اُمورِ الدُّنيا، ورُبَّما عُجِّلَ ذلِكَ فِي الدُّنيا إذا كانَ ذلِكَ فِي الدُّنيا صَلاحاً لِلعامَّةِ وَالخاصَّةِ. ثُمَّ إنَّ الأَرضَ في طِباعِهَا الَّذي طَبَعَهَا اللّه ُ عَلَيهِ بارِدَةٌ يابِسَةٌ ، وكَذلِكَ الحِجارَةُ، وإنَّمَا الفَرقُ بَينَها وبَينَ الحِجارَةِ فَضلُ يُبسٍ فِي الحِجارَةِ . أفَرَأَيتَ لَو أنَّ اليُبسَ أفرَطَ عَلَى الأَرضِ قَليلاً حَتّى تَكونَ حَجَراً صَلداً، أكانَت تُنبِتُ هذَا النَّباتَ الَّذي بِهِ حَياةُ الحَيَوانِ، وكانَ يُمكِنُ بِها حَرثٌ أو بِناءٌ؟! أفَلا تَرى كَيفَ نُقِصَت عَن يُبسِ الحِجارَةِ ، وجُعِلَت عَلى ما هِيَ عَلَيهِ مِنَ اللّينِ وَالرَّخاوَةِ ، وَليَتَهَيَّأ لِلاِعتِمادِ؟ ومِن تَدبيرِ الحَكيمِ ـ جَلَّ وعَلا ـ في خِلقَةِ الأَرضِ أنَّ مَهَبَّ الشِّمالِ أرفَعُ مِن مَهَبِّ الجَنوبِ، فَلَم يَجعَلِ اللّه ُ عز و جل كَذلِكَ إلاّ لِتَنحَدِرَ المِياهُ عَلى وَجهِ الأَرضِ فَتَسقِيَها وتَروِيَها ثُمَّ يُفيضَ آخِرَ ذلِكَ إلَى البَحرِ، فَكَما يَرفَعُ أحَدَ جانِبَيِ السَّطحِ ويَخفِضُ الآخَرَ لِيَنحَدِرَ الماءُ عَنهُ ولا تَقومَ عَلَيهِ، كَذلِكَ جُعِلَ مَهَبُّ الشَّمالِ أرفَعَ مِن مَهَبِّ الجَنوبِ لِهذِهِ العِلَّةِ بِعَينِها، ولَولا ذلِكَ لَبَقِيَ الماءُ مُتَحَيِّراً عَلى وَجهِ الأَرضِ ، فَكانَ يَمنَعُ النّاسَ مِن أعمالِها ويَقطَعُ الطُّرُقَ وَالمَسالِكَ . ثُمَّ الماءُ ، لولا كَثرَتُهُ وتَدَفُّقُهُ فِي العُيونِ وَالأودِيَةِ وَالأَنهارِ لَضاقَ عَمّا يَحتاجُ النّاسُ إلَيهِ لِشُربِهِم وشُربِ أنعامِهِم ومَواشيهِم ، وسَقيِ زُروعِهِم وأشجارِهِم وأصنافِ غَلاّتِهِم ، وشُربِ ما يَرِدُهُ مِنَ الوُحوشِ وَالطَّيرِ وَالسِّباعِ ، وتَتَقَلَّبُ فيهِ الحيتانُ ودَوابُّ الماءِ، وفيهِ مَنافِعُ اُخَرُ أنتَ بِها عارِفٌ ، وعَن عِظَمِ مَوقِعِها غافِلٌ، فَإنَّهُ سِوَى الأَمرِ الجَليلِ المَعروفِ مِن غَنائِهِ في إحياءِ جَميعِ ما عَلَى الأَرضِ مِنَ الحَيَوانِ وَالنَّباتِ، يَمزُجُ بِالأَشرِبَةِ فَتَلينُ وتَطَيَّبُ لِشارِبِها، وبِهِ تُنَظَّفُ الأَبدانُ وَالأَمتِعَةُ مِنَ الدَّرَنِ [٧] الَّذي يَغشاها، وبِهِ يُبَلُّ التُّرابُ فَيَصلُحُ لِلاِعتِمالِ، وبِهِ نَكُفُّ عادِيَةَ النّارِ [٨] إذَا اضطَرَمَت وأشرَفَ النّاسُ عَلَى المَكروهِ، وبِهِ يَستَحِمُّ المُتعَبُ الكالُّ فَيَجِدُ الرّاحَةَ مِن أوصابِهِ ، إلى أشباهِ هذا مِنَ المآرِبِ الَّتي تَعرِفُ عِظَمَ مَوقِعِها في وَقتِ الحاجَةِ إلَيها. فَإِن شَكَكتَ في مَنفَعَةِ هذَا الماءِ الكَثيرِ المُتَراكِمِ فِي البِحارِ، وقُلتَ: مَا الإِربُ فيهِ؟ فَاعلَم أنَّهُ مُكتَنَفُ [٩] ومُضطَرَبُ ما لا يُحصى مِن أصنافِ السَّمَكِ ودَوابِّ البَحرِ ومَعدِنِ اللُّؤلُوَوَالياقوتِ وَالعَنبَرِ�� وأصنافٍ شَتّى تُستَخرَجُ مِنَ البَحرِ، وفي سَواحِلِهِ مَنابِتُ العودِ اليَلَنجوجِ [١٠] وضُروبٌ مِنَ الطّيبِ وَالعَقاقيرِ. ثُمَّ هُوَ بَعدُ مَركَبُ النّاسِ ومَحمِلٌ لِهذِهِ التِّجاراتِ الَّتي تُجلَبُ مِنَ البُلدانِ البَعيدَةِ، كَمِثلِ ما يُجلَبُ مِنَ الصّينِ إلَى العِراقِ، ومِنَ العِراقِ إلَى العِراقِ [١١] ، فَإنَّ هذِهِ التِّجاراتِ لَو لَم يَكُن لَها مَحمِلٌ إلاّ عَلى الظَّهرِ لَبارَت وبَقِيَت في بُلدانِها وأيدي أهلِها، لِأَنَّ أجرَ حَملِها كانَ يُجاوِزُ أثمانَها فَلا يَتَعَرَّضُ أحَدٌ لِحَملِها، وكانَ يَجتَمِعُ في ذلِكَ أمرانِ: أحَدُهما فَقدُ أشياءَ كَثيرَةٍ تَعظُمُ الحاجَةُ إلَيها، وَالآخَرُ: انِقطاعُ مَعاشِ مَن يَحمِلُها وَيَتَعَيَّشُ بِفَضلِها. وهكَذَا الهَواءُ لَولا كَثرَتُهُ وسَعَتُهُ لاَختَنَقَ هذَا الأَنامُ مِنَ الدُّخانِ وَالبُخارِ الَّتي يَتَحَيَّرُ فيهِ، ويَعجِزُ عَمّا يُحَوَّلُ إلَى السَّحابِ وَالضَّبابِ أوَّلاً أوَّلاً، وقَد تَقَدَّمَ مِن صِفَتِهِ ما فيهِ كِفايَةٌ. وَالنّارُ أيضاً كَذلِكَ، فَإِنَّها لَو كانَت مَبثوثَةً كَالنَّسيمِ وَالماءِ كانَت تُحرِقُ العالَمَ. [١٢]
[١] الاحتجاج: ج ٢ ص ٢٣٠ ح ٢٢٣ ، بحار الأنوار : ج ٦٠ ص ١٥ ح ١٩ .[٢] الغَناء: النَّفع (الصحاح: ج ٦ ص ٢٤٤٩ «غني»).[٣] الفَدْفَد: الموضع الذي فيه غلظ وارتفاع (النهاية : ج ٣ ص ٤٢٠ «فدفد»).[٤] يقال : لكَ عنه مَندوحَةٌ ؛ أي سَعَة وفُسحة (المصباح المنير : ص ٥٩٧ «ندح»).[٥] الأَرَبُ والإربَةُ والمَأربَةُ : الحاجة ، والجمع : المَآرِب (المصباح المنير : ص ١١ «أرب») .[٦] الرَّجْرَجَة: الاضطراب. وتَرَجْرَج الشيء: إذا جاء وذهب (الصحاح : ج ١ ص ٣١٧ «رجرج»).[٧] الدَّرَن: الوسَخ (لسان العرب: ج ١٣ ص ١٥٣ «درن»).[٨] يقال: دفعتُ عنكَ عادِيَة فلانٍ: أي ظلمه وشرّه (الصحاح: ج ٦ ص ٢٤٢٢ «عدا») . والمراد هنا ضررها.[٩] يقال: أنت في كَنَف اللّه تعالى؛ أي في حِرزه وستره، وهو الجانب، والظلّ، والناحية (القاموس المحيط: ج ٣ ص ١٩٢ «كنف»). والمراد: إنّ هذا الماء هو مأوى للأصناف المذكورة.[١٠] الألَنْجوج: هو العُود الذي يُتَبَخّر به؛ يقال: ألَنْجوج ويَلَنْجوج وألَنْجَج، كأنّه يَلَجّ في تضوّع رائحته وانتشارها (النهاية: ج ١ ص ٦٢ «ألنجوج»).[١١] وفي بعض النسخ : «ومن العراق إلى الصين» .[١٢] بحار الأنوار : ج ٦٠ ص ٨٦ ح ١١ نقلاً عن الخبر المشتهر بتوحيد المفضّل.