تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٢٤ - ٥٥٧٨ ـ الفتح بن خاقان بن عرطوج أبو محمد التركي
ليصلّي أخرج الكتاب فنظر فيه وهو يمشي حتى يبلغ الموضع الذي يريد ، ثم يصنع مثل [١] ذلك في رجوعه إلى أن يأخذ مجلسه ، وأمّا إسماعيل بن إسحاق فإنّي ما دخلت عليه قطّ إلّا وفي يده كتاب ينظر فيه ، أو يقلّب الكتب لطلب كتاب ينظر فيه.
أنبأنا أبو الفرج غيث بن علي وغيره عن أبي بكر الخطيب ، أنبأنا محمّد بن محمّد بن المظفّر بن السراج ، أنبأنا محمّد بن عمران بن موسى المرزباني ، أخبرني محمّد بن يحيى ، حدّثني يحيى بن البحتري ، قال : قال لي أبي :
كان أوّل ما مدحت به الفتح بن خاقان :
هب الدار ردّت رجع ما أنت قائله [٢]
فأنشدته إياها في سنة ثلاث وثلاثين بعد أن أقمت شهرا لا أصل إلى إنشاده ، وهو مع ذاك يجري عليّ ويصلني ، ثم جلس جلوسا عاما وحضرت وحدي ، فأنشدته فرأيته يتبسم عند كلّ بيت جيد ، فعلمت أنه يعلم الشعر ، وكان ذلك أعجب إليّ من جميع ما وصلني به ، وكان أول ما اهتز له حين بلغت قولي :
| وقد قلت للمعلي إلى المجد طرفه | دع المجد فالفتح بن خاقان شاغله | |
| أطلّ بنعماه فمن ذا يطاوله | وعمّ بجدواه فمن ذا يساجله | |
| أمنت به الدّهر الذي كنت أتّقي | ونلت به القدر الذي كنت آمله | |
| ولمّا حضرنا سدّة الإذن أخّرت | رجال عن الباب الذي أنا داخله | |
| فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة | أقابل بدر الأفق حين أقابله | |
| فسلّمت واعتاقت جناني هيبة | تنازعني القول الذي أنا قائله | |
| فلمّا تأمّلت الطّلاقة وانثنى | إليّ ببشر آنستني مخايله | |
| دنوت فقبّلت الثّرى [٣] من يد امرئ | جميل محيّاه سباط أنامله [٤] |
[١] بالأصل : بعد ، والمثبت عن المختصر.
[٢] البيت للبحتري ، في ديوانه ط بيروت ١ / ٥٢ مطلع قصيدة يمدح الفتح بن خاقان ويصف دخوله إليه وسلامه عليه ، وعجزه :
وأبدى الجواب الربع عما تسائله
[٣] في الديوان : الندى.
[٤] سباط أنامله أي منبسط الكف ، يكنى به أنه كريم ومعطاء.