جواهر الفرايض - ط فقه الثقلين - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٧٥ - نظريّات الحكيم نصير الدين الطوسي
أحد أهمّ الأسباب الضروريّة لوجود المجتمع هو المنع من ظهور الفاسدين، ونشر العدل بين الناس، وهو الأمر الذي عانى منه كثيراً في عصره. كما أنّ المعيار الأساسي عنده للتفريق بين السياسة الفاضلة والسياسة الناقصة، هو أنّ أهمّ خاصيّة للسياسة الناقصة هي التعدّي والاستبداد، واستعباد الناس وظلمهم. بينما تسوق السياسة الفاضلة الناس نحو السعادة والكمال، لما تؤدّيه من العدالة والابتعاد عن الظلم والاستبداد. ويعتقد أنّ من جملة الأسباب التي تردي بالمدينة الفاضلة وتفسدها هم البغاة، الذين لا يأتمرون بأمر الحكومة، ولا يأنسون بعدلها، بل يسعون دائماً للتعدّي على الآخرين. وكان هذا الحال موجوداً بكثرة في ذلك الزمان.
الأمر الآخر، هو أنّ السياسة الفاضلة تقبل التحقّق برأيه. ويرى أنّ المدينة المنشودة هي المدينة التي يكون لدى الناس فيها عقيدة واحدة وغاية واحدة، ويتساعدون جميعاً للوصول إلى تحقيق تلك الأهداف عبر الإتيان بالأفعال العادلة. كما يرى أنّ المدينة الفاضلة التي تعتمد على موازين العدالة بحاجة إلى حاكم عادل; كما هو الحال بالنسبة إلى الطبيب الذي يعالج أمراض المجتمع، لكن لم يكن ليتمّ العثور على مثل هذا الجوهر الثمين في مثل تلك الأيّام. والنظرة العمليّة والواقعيّة التي كان يمتلكها المحقّق الطوسي، هي السبب في عدم اعتباره العدالة شرطاً من شروط الحاكم في ذلك الوقت، مكتفياً بذكر صفات أخرى; من قبيل الأبوة، متانة الرأي، علوّ الهمّة، الصبر على الشدائد، وجود أعوان صالحين لديه، وكونه يسيراً، وأمثال ذلك. والحال أنّه في غيره من الكتب الكلاميّة ذكر للإمام صفاتاً غيرها; من قبيل العصمة وكونه واحداً، ومنصوصاً ـ يعلم صدقه من خلال المعجزة أو الإخبار الصحيح ـ، كونه الأعلم والأشجع، وصاحب معاجز، وأقرب الناس إلى اللّه تعالى، وأن يكون مبرّأ من العيوب التي تنفّر الناس منه.