جواهر الفرايض - ط فقه الثقلين - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٣ - نصيرالدين الطوسي في عصر المغولي
وإصابة رأيه وحدسه وإحرازه قصبات السبق في مضمار التحقيق والتدقيق أشهر من أن يذكر، وفوق ما يحوم حوله العبارة، وكفاك في ذلك حلّه ما لم ينحلّ على الحكماء المتبحّرين من لدن آدم إلى زمانه رضي اللّه عنه و أرضاه».[١] فقد كان رجلاً جامعاً للمعارف، ومطّلعاً على العلوم، ومحيطاً بأمور زمانه، لكنّه بقي مظلوماً لم يأخذ حقّه من البحث في العالم الإسلامي حتّى عصرنا هذا. وبما أنّ المحقّق الطوسي كان من المساعدين في القضاء على حكومة العباسيين، وبما أنّه كان مناهضاً للفكر الأشعري، فلم يعطه أهل العامّة حقّه ويتعاملوا معه بإيجابيّة، بل اعتبروه من أعداء الإسلام.[٢] ولسبب أو لآخر، لم يهتمّ به علماء الشيعة بالشكل
[١] . جامع الرواة، ج ٢، ص ١٨٨.
[٢] . يعتبر ابن القيم الجوزية (م ٧٥١ هـ) تلميذ أبو العباس أحمد بن تيمية (م ٧٢٨ هـ) أحد العلماء السنّة الذين نسبوا الكفر والإلحاد إلى المحقّق الطوسي، وقد وصل به العناد والعداء اتّجاهه جعله لا يتوانى عن توجيه أىّ تهمة وافتراء لهذا الرجل العظيم; حيث يذكر في كتابه إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان:
«ولمّا انتهت النوبة إلى نصير الشرك و الكفر الملحد وزير الملاحدة، النصير الطوسي، وزير هولاكو، شفى نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على السيف حتّى شفى إخوانه من الملاحدة واشتفى هو، فقتل الخليفة المستعصم والقضاة والفقهاء والمحدّثين، واستبقى الفلاسفة والمنجّمين والطبائعيين والسحرة، ونقل أوقاف المدارس والمساجد والربط إليهم وجعلهم خاصّته وأولياءه، ونصر في كتبه قِدَمَ العالم وبطلان المعاد، وإنكار صفات الربّ جلّ جلاله; من علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، (وأنّه لا داخل العالم ولا خارجه، ليس فوق العرش إله يعبد البتّة). واتّخذ للملاحدة مدارس، ورام جعل إشارات إمام الملحدين ابن سينا مكان القرآن، فلم يقدر على ذلك، فقال: هي قرآن الخواصّ وذاك قرآن العوام، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين فلم يتمّ له الأمر، وتعلّم السحر في آخر الأمر فكان ساحراً يعبد الأصنام. وصارع محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني ابن سينا في كتاب المصارعة، أبطل فيه قوله بقدم العالم وإنكار المعاد ونفي علم الربّ تعالى وقدرته وخلق العالم، فقام له نصير الإلحاد وقعد، ونقضه بكتاب سمّاه مصارعة المصارعة. ووقفنا على الكتابين نصر فيه: إنّ اللّه تعالى لم يخلق السموات والأرض في ستّة أيّام، وأنّه لا يعلم شيئاً وأنّه لايفعل شيئاً بقدرته واختياره، ولايبعث من في القبور.» (إغاثة اللهفان، ج ٢، ص ٢٦٣، وشذرات الذهب، ج ٥، ص ٣٤٠، نقلاً عن ابن القيم الجوزية).