جواهر الفرايض - ط فقه الثقلين - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٥٤ - خدمات المحقّق الطوسي
وصار له من ذلك سبيل لانقاذ أكبر عدد من الكتب وتجميعها، كما استطاع أن ينجّي من القتل الكثيرين ممّن كانوا سيقتلون. ولما استتب الأمر لهولاكو خطأ نصير الدين خطوته الأولى، وكانت هذه المرّة خطوة جبّارة فقد أقنعه بأن يعهد إليه بالإشراف على الأوقاف الإسلاميّة والتصرّف بمواردها بما يراه، فوافق هولاكو. وتتّطلع نصير الدين فرأى أنّ المسلمين كانوا قد وصلوا من الانحلال الفكري إلى حدّ أصبح العلم عندهم قشوراً لا لباب فيها، وأنّهم حصروا العلم في الفقه والحديث وحدّهما، وحرّموا ما عداهما من سائر صنوف المعرفة التي حثّ عليها الدين العظيم، وانصرفوا عن العلوم العمليّة انصرافاً تامّاً. فأعلن افتتاح مدارس لكلّ من الفقه، والحديث، والطب، والفلسفة، وأنّه سيتولّى الإنفاق على طلاّب هذه المدارس، ولكنّه سيجعل لكلّ واحد من دارسي الفلسفة ثلاثة دراهم يومياً، ولكلّ واحد من دارسي الطب درهمين ولكلّ واحد من دارسي الفقه درهماً، ولكلّ واحد من دارسي الحديث نصف درهم، فأقبل الناس على معاهد الفلسفة والطب، بعد ما كانت من قبل تدرس سراً. أحرز نصير الدين النصر الأوّل في معارك الإسلام، فالعلم لن ينقطع بعد اليوم، ولن يجمد المسلمون عن طلبه، ثمّ انصرف يخطّط للمعركة الكبرى الكاسحة. فإذا كان إنشاء المدارس المتفرّقة لن يلفت هولاكو إليها، ولن يدرك أهميّتها، فإنّ إنشاء الجامعة الكبرى وحشد العلماء فيها وحشر الكتب في خزانتها، سيكون حتماً منبهاً لهولاكو فكيف العمل ؟ هنا تبدو براعة الطوسي، فهولاكو استبقاه لغاية معيّنة، فراح يقنع هولاكو بأنّه من أجل استمراره في عمله والاستفادة من مواهبه لا بدّ من إنشاء مرصد كبير، فوافق هولاكو على إنشاء المرصد، وفوّض لنصير الدين المباشرة بالعمل. لقد كانت هذه الموافقة الحلم الأكبر الذي حقّقته الأيّام لنصير الدين، وبات بعدها مستريحاً للمستقبل لا يشغله شي إلاّ الأعداد