سيرتنا و سنتنا - العلامة الأميني - الصفحة ٦٠ - إليك البيان
٢٨- لا يحبّك إلّا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق[١]، قاله لعليّ (ع).
[١] - مسند أحمد ١: ٩٥، وقال محقق المسند الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده على شرط الشيخين، و ١: ١٢٨، وصحح إسناده، سنن الترمذي ٥: ٣٠٦ وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن النسائي ٨: ١١٦، المعجم الأوسط ٢: ٣٣٧ و ٥: ٨٧، مسند أبي يعلى ١: ٢٥٠ ح ٢١٩، وقال محققه: إسناده صحيح، سنن النسائي الكبيرة ٥: ١٣٧ و ٦: ٥٣٤، حلية الأولياء ٤: ١٨٥، مسند الحميدي ١: ٣١ ح ٥٨، خصائص الإمام عليّ ١: ١١٩، الفوائد المنتقاة ١: ٣٨، مجمع الزوائد ٩: ١٨٠ وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمّد بن كثير الكوفي حرق أحمد حديثه وضعفه الجمهور، ووثقه ابن معين، وعثمان بن هشام لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، كشف الخفاء ومزيل الإلتباس ٢: ٢١٨٣ ح ٣١٨١ وقال: رواه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عليّ رضي الله عنه، الجامع الصغير ١: ٤١٩ وقال محققه الشيخ الألباني: صحيح، سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤: ٢٩٨ ح ١٧٢٠، صحيح الترمذي للألباني ٣: ٢١٥ ح ٢٩٣٨، الاستيعاب ١: ٣٣٩، أُسد الغابة ١: ٧٩٧، الإصابة في تمييز الصحابة ٤: ٥٦٩، تذكرة الحفاظ ١: ١٠، تاريخ مدينة دمشق ٣٨: ٣٤٩ و ٤٣: ٢٧٠ و ٢٧١ و ٢٧٢ و ٢٧٣ و ٢٧٤ و ٢٧٥ و ٢٧٦ و ٢٧٧ و ٢٧٨ و ٢٨٠ و ٣٠١ و ٥١: ١١٩، الاستذكار ٨: ٤٤٦، تحفة الأحوذي ١٠: ١٦٤، المدخل ١: ٢٠٦، معرفة علوم الحديث ١: ٢٥٢، منهاج السنّة ٥: ٥٤، الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢: ٣٩، تاريخ الإسلام ١: ٤٨٥، الوافي بالوفيات ١: ٢٩٤٥، نفح الطيب ٢: ٥٤٢، تفسير البغوي ١: ٣٢٣، إيثار الحقّ على الخلق ١: ٤٠٤، الإيمان للعدني ١: ٨٠، الإيمان لابن منده ٢: ٦٠٧، وقال: إسناده صحيح، فتح الباري ١: ٦٠ وقال: وقد ثبت في صحيح مسلم عن عليّ أنّ النبي صلّى الله عليه[ وآله] وسلم قال: لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق، وقال في الفتح ٧: ٥٧: .. أنّ علياً تام الاتباع لرسول الله صلّى الله عليه[ وآله] وسلم، حتّى اتصف بصفة محبة الله له، ولهذا كانت محبته علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق، كما أخرجه مسلم من حديث عليّ نفسه قال: والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي صلّى الله عليه[ وآله] وسلم أنّ لا يحبك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق.
ولكن ابن حجر العسقلاني نفسه لمّا أراد شرح الحديث ابتعد طويلًا عن متنه، وأخذ يذهب يميناً وشمالًا لإيجاد حلٍ لمسألة رجالية بقيت عالقة في ذهنه، وكان سبب تلك المسألة هذا الحديث النبوي الشريف الذي عهد به إلى عليّ بن أبي طالب( ع)، حيث إن الحديث يقتضي أنّ يكون المبغض لعلي( ع) منافق، والمنافق كاذب بشهادة القرآن الكريم، قال تعالى في سور المنافقين: ... وَ اللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ، وذلك يلزم منه طرح خبر الناصب المبغض لعليّ( ع)؛ لأنّه منافق بشهادة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، والمنافق كاذب بشهادة القرآن الكريم، والكاذب لا يقبل خبره أو نقله.
وكذلك يستلزم الحديث أنّ المحبّ لعليّ بن أبي طالب( ع) مؤمن- مع حفظ بقية الشروط-، والمؤمن صادق بشهادة الله تعالى وأوّليات الدين الإسلامي، فعلى ذلك يجب قبول خبر المحب لعلي المؤمن بالله تعالى؛ لأنّه صادق ..
لكن وجد ابن حجر العالم السني في علم الحديث مؤسساً على عكس ذلك تماماً إذا وجدهم يوثقون النواصب المبغضين لعليّ( ع)، ويطعنون بالشيعة المحبين لعلي( ع) فلذلك قال: وقد كنت استشكل توثيقهم الناصبي غالباً، وتوهينهم الشيعة مطلقاً، ولا سيما أنّ علياً ورد في حقّه لا يحبّه الّا مؤمن ولا يبغضه الّا منافق تهذيب التهذيب ٨: ٤٠٤ فعلماء السنّة أخذوا من النواصب الكذابين بشهادة الله ورسوله في كثير من الروايات التي ينقلوها، وبنوا عليها مذهبهم، وتركوا المحبين لعليّ، وطعنوا فيهم، مع أنّ الله ورسوله حكما بغير ذلك، بل وزاد في الطين بلة كلام الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة أبان بن تغلب حينما قسم البدعة إلى قسمين فقال: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو كالتشيع بلا غلو ولا تحريف، فهذا كثير في التابعين وتابعيهم، مع الدّين والورع والصدق. فلو رد حديث هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية ميزان الاعتدال ١: ٥ ت ٢، فيلزم على هذا الكلام أنّ التابعين مردودو الحديث، وقد وقعوا في البدعة، وإنّ سمّاها المحدث الذهبي صغرى، لكن المهم أنها بدعة، ولا يمكن الأخذ برواياتهم، لأنّهم مبتدعة ببدعة التشيع- والا فالبدع الاخرى كالإرجاء والقدر بل والنصب لا خير فيه-. فالحديث النبوي المعهود لعلي أوقع مفارقة عند ابن حجر فيه وفي فعل المحدثين، فلذلك لجأ إلى التخلص منه بكلام أوقعه في ورطة أُخرى، قال ابن حجر بعد أنّ أورد الاشكال: ثمّ ظهر لي في الجواب عن ذلك أنّ البغض ها هنا مقيد بسبب، وهو كونه نصر النبي صلّى الله عليه[ وآله] وسلم؛ لأنّ من الطبع البشري بغض من وقعت منه إساءة في حقّ المبغض والحبّ بعكسه، وذلك ما يرجع إلى أُمور الدنيا غالباً.
والخبر في بغض عليّ وحبه ليس على العموم، فقد أحبه من أفرط فيه حتّى ادعى أنّه نبي، أو أنّه إله تعالى الله عن إفكهم .. تهذيب التهذيب ٨: ٤١١.
ونحن نكتفي برده بما ذكره محمّد بن عقيل الشافعي في العتب الجميل على أهل الجرح والتعديل: ١٩ إذ قال: كلام ابن حجر هذا وجيه، واستشكاله صحيح، لأنّ ذلك الصنيع عنوان الميل والجور، فهو من أهل الإطلاع والحفظ، وهو ثقة فيما يرويه، فاعترافه هنا دليل واضح وحجّة ثابته على صنيع القوم، وهو مع ذلك علامة النصب وشيوعه، غلبة أهله في تلك الّايّام، والف الناس لهم، وميلهم إليه، حتّى استمروا مرعا الوبيل، واعتادوا سماع سب أخي النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وخف عليهم وقعه، مع أنّه سب لله جلّ جلاله وسب لرسوله، فلم تتب عنهم أسماعهم، ولم تنكره قلوبهم، وجمدوا على ذلك، واستخفوا به؛ لأنّه صار أمراً معتاداً، وفاعلوه أهل الرئاسة والصولة.
أفبعد الاعتراف بتوثيقهم الناصبي غالب- وهو منافق بشهادة النبي- يجوز لنا التقليد بدون بحث وتدقيق، فنقبل ما زعموا صحته؟
كلا بل الواجب البحث والتدقيق والاحتراز الشديد، وأنّ لا نغتر بشيء ممّا رواه بإسناد فيه ناصبي، وأن جل رواته عنه، وكثر المغترون والمحتجون به، والجازمون بصحته.
ثمّ قال الشيخ: وتوهينهم الشيعة مطلقاً.
وأقول: استشكاله هنا واضح وجهه، إذ كيف يسوغ أنّ يعد التشيع المحمود المأمور به ممّا توهم به عدالة المنتصف به. والصواب أنّ العدالة الكاملة لا تحصل إلّا به، فكل من وهنّوه أو جرّحوه لمجرد تشيعه الحسن، أو كان جارحوه من النواصب، أو ممّن يتهم في أمر الشيعة المرضية، لاختلافه وإياهم في المذهب والعقيدة، لا يلتفت المنصف إلى ذلك الجرح، ولا يبالي بذلك التوهين بالنسبة لمن حسنت حاله، وظهرت عدالته ..
ثُمّ قال الشيخ: ولا سيما أنّ علياً ورد في حقه لا يحبه إلّا مؤمن ولا يبغضه إلّا منافق.
أقول: ورود هذا وما في معناه صحيح ثابت، وذلك يقتضي بمدح حبّ عليّ وبذم مبغضه ..
وأقول: ليس الأمر كما ظهر له، ودعوا التقيد وذكره السبب ممّا لا دليل عليه.
والصواب: إنّ بغض عليّ لا يصدر من مؤمن أبداً؛ لأنّه ملازم للنفاق، وحبه لا يتم من منافق أبداً، لأنّه ملازم للإيمان، فتقيد الشيخ خطأ وغفلة ظاهرة، يلزم منه الغاء كلام المعصوم بتخصيصه علياً بهذا؛ لأنّ البغض لا جل نصرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كفر بواح، سواء كان مبغضاً بسببه علياً أو غيره، مسلماً كان أو كافراً أو حيواناً أو جماداً. ألا ترى لو أنّ مكلفاً أبغض مطعم بن عدي أو أبا البحتري اللذين ماتا على الشرك لأجل سعيهما في نقض الصحيفة القاطعة، ووصلهما بذلك رحم النبي ورحم بني هاشم ألا يكون ذلك المبغض كافراً لبغضه الكافر من هذه الجهة؟!
ولو أنّ آخر أبغض كلباً من أجل حراسته النبي، أو حماراً من أجل حمله إياه أو الغار من أجل ستره له عن المشركين لكان كافراً بذلك اتفاقاً؟
فما هي إذن فائدة تخصيص عليّ بالذكر فيما يعمّ المسلم والكافر والحيوان والجماد؟
فتقيد الشيخ الغاء وإهدار لكلام المعصوم وإبطال له.
والحق: إنّ حب عليّ مطلقاً علامة لرسوخ الايمان في قلب المحب، وبغضه علامة وجود النفاق فيه.
هذه خصوصية في عليّ كما هي في أخيه النبي، ويؤيد هذا قوله تعالى:( وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ)، وقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: عليّ منّي وأنا منه، وما يشبه هذا وقد أجاد فيما أفاد رحمه الله تعالى.
والأغرب من ذلك كلام الذهبي في سير أعلام النبلاء، فبعد أنّ صحح الحديث في السير ٥: ١٨٩ و ٦: ٢٤٤، قال في ١٧: ١٦٩: وقد جمعت طرق حديث الطير في جزء، وطرق حديث من كنت مولاه، وهو أصح، وأصح منها ما أخرجه مسلم عن علي قال: إنّه لعهد النبي الامي صلّى الله عليه وآله وسلم إليّ: إنّه لا يحبك الَّا مؤمن، ولا يبغضك إلّا منافق، وهذا أشكل الثلاثة!!
فقد أحبّه قوم لا خلاق لهم، وأبغضه- بجهل- قوم من النواصب فالله أعلم. فانظر هداك الله إلى كلامه ولاحظ لهجته، فيعبر عمّن أحبّ عليّ بن أبي طالب( ع) بأنه لا خلاق له!! بينما يحاول التبرير لمبغضيه فيقول: وأبغضه- بجهل- قوم من النواصب فيعتذر لمن أبغض عليّ بالجهل، بينما يرمي المحبّ لعليّ( ع) بعدم الخلاق، فاي عدل هذا؟ وأي إنصاف عند محدث كالذهبي؟!
ثمّ انظر إلى تعبيره بأنّ هذا الحديث أشكل الثلاثة!! مع أنّه واضح الدلالة والبيان لمن القى عن نفسه الدرن وشاهد بعين الانصاف فالنبيّ الأكرم صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ سَلّم في الحديث الشريف الذي عهد به إلى عليّ بن أبي طالب( ع) يريد إعطاء ميزان وضابطة للمؤمن والمنافق، وهو عليّ بن أبي طالب( ع)، فمن أحبه- مع حفظ باقي شرائط الإيمان- فهو مؤمن، ومن أبغضه فهو منافق! وهذا من الواضحات التي لا تغيب عن محدِّث مثل الذهبي.
والأنكى من ذلك كُلِّه كلام الشيخ شعيب الأرنؤوط محقق مسند أحمد حيث قال تعليقاً على الحديث: إسناده على شرط الشيخين إلّا أنّ عدي بن ثابت- وإن أخرجا له- قال فيه شعبة: كان رفاعاً، وقال أحمد: كان يتشيع، وقال ابن معين: شيعي مفرط، وقال الدارقطني: ثقة إلّا أنّه كان غالياً في التشيع.
قلنا: وقد رد أهل العلم من مرويات الثقة ما كان موافقاً لبدعته، وقد انتقد الدارقطني في التتبع ص ٤٢٧ مسلماً لاخراجه هذا الحديث
فقال: وأخرج مسلم حديث عدي بن ثابت: والذي فلق الحبة ... ولم يخرجه البخاري.
قلنا: وقد اتفق الشيخان البخاري( ٣٧٨٣)، ومسلم( ٧٥) على إخراج حديث: الأنصار لا يحبهم إلّا مؤمن، ولا يبغضهم إلّا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله من طريق شعبة عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب رفعه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنّة ٤: ٤٠: السادس: إنّ في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: آية الإيمان حبّ الأنصار، وآية النفاق بغض الانصار، وقال: لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر، فكان معرفة المنافقين في لحنهم ببغض الأنصار أولى، فإنّ هذه الأحاديث أصح ممّا يروى عن عليّ أنّه قال: لعهد النبي الأمي إليّ إنّه لا يحبني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلّا منافق، فإنّ هذا من أفراد مسلم، وهو من رواية عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش عن عليّ، والبخاري أعرض عن هذا الحديث بخلاف أحاديث الانصار، فانّها ممّا اتفق عليه أهل الصحيح كُلّهم البخاري وغيره، وأهل العلم يعلمون يقيناً أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قاله، وحديث عليّ قد شكّ فيه بعضهم!
قال الإمام الذهبي في السير ١٧: ١٦٩: وقد جمعت طرق حديث الطير في جزء، وطرق حديث: من كنت مولاه فعلي مولاه وهو أصح، وأصح منها ما أخرجه مسلم عن عليّ قال: إنه لعهد النبي الأمي صلّى الله عليه وآله وسلم: إنّه لا يحبك إلّا مؤمن ولا يبغضك الّا منافق. وهذا أشكل الثلاثة، فقد أحبه قوم لاخلاق لهم، وأبغضه- بجهل- قوم من النواصب، فالله أعلم.
قلنا: ورد بعضهم هذا الاشكال فقال: المراد: لا يحبك الحبّ الشرعي المعتد به عند الله تعالى، أما الحب المتضمن لتلك البلايا والمصائب فلا عبرة به، بل هو وبال على صاحبه كما أحبت النصارى المسيح
والملاحظ في كلام الارنؤوط عدة نقاط:
١- أنّه ضعف الحديث الوارد في صحيح مسلم، مع أنهم يؤمنون بأنّ أحاديث الصحيحين كُلّها صحيحة، بما فيها هذا الحديث، فكيف يوفق بين القول بصحة كُلّ ما في الصحيحين وبين تضعيفه لهذا الحديث الوارد في صحيح مسلم، فهذه قسمة ضيزى.
٢- والملاحظ أيضاً أنّه حاول التعميه والتدليس، فانّ عدي بن ثابت وإن طعن فيه من طعن، لكن تلك الطعون مردودة؛ لأنها ذكرت لاجل كونه شيعي، والشيعي مقبول الرواية إذا كان ثقة، فلذلك قال الذهبي في ميزان الاعتدال ٥: ٧٨: عدي بن ثابت: عالم الشيعة، وصادقهم، وقاصهم، وإمام مسجدهم، ولو كانت الشيعة مثله لقل شرهم.
قال المسعودي: ما أدركَنا أحداً أقول بقولِ الشيعة من عدي بن ثابت.
وثقه أحمد، وأحمد العجلي، والنسائي ..
قال أبو حاتم: صدوق.
وقال ابن معين: شيعي مفرط.
وقال الدارقطني: رافضي غال، وهو ثقة.
وقال ابن حجر في هدي الساري: ٥٩٥: قلت: احتج به الجماعة، وما أخرج له في الصحيح بشيء ممّا يقوي بدعته.
فهو وإن كان شيعياً لكنه موثق، وهو عالم وقاص وإمام كما وصفه الذهبي بذلك، فلا معنى لأن يأتي الأرنؤوط ويضعفه لأجل الشيع.
وأما أنّ روايته هذه تقوي بدعته فهذه حجة عليه لا له، إذ إنّ هذا الكلام يعني أنّ المحب لعلي مؤمن والمبغض له منافق، فينهدم علم حديث شعيب الأرنؤوط الذي بناه على توثيق النواصب المنافقين بنصّ هذا الحديث، والطعن بالشيعة المؤمنين بنصّ الحديث أيضاً، وتنهدم قاعدة عدالة عموم الصحابة والسلف الصالح، لأنّ الكثير من بني أمية وبني العبّاس كانوا يسبون عليّ بن أبي طالب( ع)، فيكونون بحكم هذا الحديث من المنافقين المستحقين لأحكام آيات النفاق النازلة فيهم، فلذلك جد الشيخ شعيب الأرنؤوط على تغميض عينيه عن صحة روايات الصحيحين والطعن فيها لأجل الحفاظ على كرامة قاعدة عدالة عموم الصحابة، بعد ما فهم من الحديث الإطلاق، وأن المبغض لعليّ يكون منافقاً.
٣- على أنّ هذا الكلام لا ينسجم مع ما قاله آخراً حيث قال: المراد بالحبّ الحبّ الشرعي المعتد به لا الحبّ المتضمن لتلك البلايا والطامات.
فاذا أوّلتَ الحديث بما صعب على الذهبي فهمه وحكم باستشكاله عليه فعليك بقبول الرواية بدلًا عن التعسف لها بهذا التأويل الذي يضحك، فاذا كان الحديث يمكن تأويله بما قاله فلا داعي لرفض رواية الصحاح والطعن بها.
٤- أما نقله لكلام ابن تيمية فمن العجائب والغرائب، فابن تيمية طعن في صحيح مسلم وروايته له، ورجح كلام البخاري على مسلم، وادعى بأنّ البخاري أعرض عنه، وهذه دعوى بلا دليل، فانّ البخاري لم يقل أنّ الصحيح فقط أخرجته في الصحيح، بل قال ما تركته من الصحيح أكثر ممّا أخرجته، حيث قال: ما أدخلت في كتاب الجامع إلّا ما صح، وتركت من الصحاح مخافة التطوال مقدمة شرح النووي لمسلم: ٤١، فلا معنى للأعراض عن الحديث ومحاولة توهينه بما هو وهن عندهم.
مضافاً إلى أنّ الحديث وإن لم يخرجه البخاري أو مسلم فلا يعني ذلك أنّه ضعيف، وإلّا لوقع أهل السنّة قبل غيرهم في متاهات وطامات، لأنّ فقههم وحديثهم غير مبني على البخاري ومسلم، بل مبني على السنن الأُخرى والمسانيد والزوائد والتي فيها من الحديث الصحيح عندهم أكثر ممّا في الصحيحين، وقد صرّحوا بأن الاعتماد على الصحيحين أو معهما السنن الاخرى قلّة فهم وعدم أطلاع؛ بل يؤخذ بالرواية من الكتاب الثابت لصاحبة إذا كانت صحيحة السند، سواء كانت في السنن أو المسانيد أو الزوائد.
على أنّ كلام ابن تيمية فيه مجازفة كبيرة، إذ كيف يقطع بأنّ الحديث مشكوك لأنّه لم يرد في صحيح البخاري، وحديث حب الأنصار مقطوع الصدور؛ لأنّ البخاري رواه؟!
فإنّ ذلك تعسف وقلة ورع، إذ الحديث الصحيح أقصى ما يمكن الحكم عليه بالصحة أما كونه صادراً عن النبي ٢ أو لا فهذا لا ربط له بالأخذ به، بل هما أمران منفصلان، فقد يصح الحديث وهو ليس بصادر، وقد لا يصح الحديث وهو صادر، وهذا في كتب أهل السنّة مصرح به ومشروح مفصّل في محله، فالقفز على المباني الواضحة لأجل الطعن بفضيلة لعلي( ع) تعسف كبير وحيف على أبي ولدَي النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وابن عمّه وصهره.
٥- إنّ الحديث ورد من طريق آخر غير طريق عدي بن ثابت، ففي مسند أبي يعلى ١: ٣٤٧ قال: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثني النضر بن حميد الكوفي، عن أبي الجارود، عن الحارث الهمداني قال: ...
إلى غير ذلك من الملاحظات على ما ذكره الشيخ الأرنؤوط نتركها للقارئ الخبير خوف الإطالة.