سيرتنا و سنتنا - العلامة الأميني - الصفحة ٣٨٣ - رجال إسناد ابن سعد
بها.
فبهذا الاعتبار المطرد العامّ المتسالم عليه انتزع للكعبة حكمها الخاصّ، وللحرم شأن يخصّ به، وللمسجدين الشريفين (جامع مكة والمدينة) أحكامهما الخاصّة بهما، وللمساجد العامّة والمعابد والصوامع والبيع التي يذكر فيها اسم الله، في الحرمة والكرامة، والتطهير والتنجيس، ومنع دخول الجنب والحائض والنفساء عليها، والنهي عن بيعها نهياً باتاً نهائياً من دون تصوّر أيّ مسوّغ لذلك قطّ، خلاف بقيّة الأوقاف الأهلّية العامّة التي لها صور مسوغة لبيعها وتبديلها بالأحسن، إلى أحكام وحدود أُخرى منتزعة من اعتبار الإضافة إلى ملك الملوك، ربّ العالّمين.
فاتخاذ مكة المكرمة حرماً آمناً، وتوجيه الخلق إليها، وحجّهم إيّاها من كُلّ فجّ عميق، وإيجاب كُلّ تلكم النسك، وجعل كُلّ تلكم الأحكام حتى بالنسبة إلى نبتها وأبها، إن هي إلّا آثار الإضافة، ومقررات تحقق ذلك الاعتبار، واختيار الله إيّاها له من بين الأراضي.
وكذلك عدّ المدّينة المنورة حرماً إلهياً محترماً، وجعل كُلّ تلكم الحرمات الواردة في السنّة الشريفة لها وفي أهلها وتربتها ومن حلّ بها ومن دفن فيها، إنّما هي الاعتبار ما فيها من الإضافة والنسبة إلى الله تعالى، وكونها عاصمة عرش نبّيه الأعظم صاحب الرسالة الخاتمة- صَلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّم-.
وهذا الاعتبار وقانون الإضافة كما لا يخصّ بالشرع فحسب، بل هو أمر طبيعي أقرّ الإسلام الجري عليه، كذلك لا ينحصر هو بمفاضلة الأراضي، وإنّما هو أصل مطرد في باب المفاضلة في مواضيعها العامّة من الأنبياء والرسل، والأوصياء، والأولياء، والصديقين، والشهداء، وأفراد المؤمنين وأصنافهم، إلى كُلّ ما يتصور له فضل على غيره لدى الإسلام المقدّس، بل هذا الأصلّ هو محور دائرة الوجود، وبه قوام كُلّ شيء، وإليه تنتهي الرغبات